مولانا جلال الدين محمد بن محمد البلخيَّ المعروف بالرومي (604 - 672 هـ)
ديباجة مولانا الدفتر الرابع المثنوي المعنوي جلال الدين الرومي
[ الدفتر الرابع ]
( النص )
« 40 »
.
« 41 »
[ ديباجة الدفتر الرابع ]
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) *
الظعن الرابع إلى أحسن المرابع وأجل المنافع ، تسر قلوب العارفين بمطالعته كسرور الرياض بصوب الغمام ، وأنس العيون بطيب المنام ، فيه ارتياح الأرواح وشفاء الأشباح ، وهو كما يشتهيه المخلصون ويهوونه ، ويطلبه السالكون ويتمنونه ، للعيون قرة ، وللنفوس مسرة ، أطيب الثمار لمن اجتني ، وأجل المرادات والمني ، موصل العليل إلى طبيبة ، وهادي المحب إلى حبيبه ، هو بحمد الله من أعظم المواهب وأنفس الرغائب ، مجدد عهده الألفة ، مسهل عسر أصحاب الكلفة ، يزيد النظر فيه أسفا لمن بعد ، وسرورا وشكرا لمن سعد ، تضمن صدره ما لم يتضمن صدور الغانيات من الحلل ، جزاء لأهل العلم والعمل ، كبدر طلع وجد رجع ، زايد من تأمل الآملين ، رايد لرود العاملين ، فهو يرفع الأمل بعد انخفاضه ، ويبسط الرجاء بعد انقباضه ، كشمس أشرقت ، من بين غمام تفرقت ، نور لأصحابنا ، وكنز لأعقابنا ،
ونسأل الله التوفيق شكره ، فإن الشكر قيد للعتيد ، وصيد للمزيد ، ولا يكون إلا ما يريد .
ومما شجاني أنني كنت نايما * أعلل من برد بطيب التنسم
إلى أن دعت ورقاء في غصن أيكة * تغرد مبكاها بحسن الترنم
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة * لسعدي ، شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا * بكاها فقلت الفضل للمتقدم
« 42 »
رحم الله المتقدمين والمتأخرين والمنجزين والمتنجزين بفضله وكرمه وجزيل آلائه ونعمه ، فهو خير مسؤول وأكرم مأمول ، والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين وخير المؤنسين والوارثين وخير مخلف رازق للعابدين الزارعين الحارثين . .
وصلى الله على محمد ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ، آمين يا رب العالمين .
« 43 »
01 - يا ضياء الحق حسام الدين ، أنك من فاق المثنوي القمر ضياء به . .
- إن همتك العالية أيها المرتجى ، تجذبة إلى حيث يعلم الله .
- وأنت تجذب المثنوي هذا معقود الجيد إلى قد حيث علمت .
- إن المثنوى مسرع منطلق وجاذبه غير طاهر . إنه غير ظاهر بالنسبة للجاهل المحروم من الرؤية .
05 - ولما كنت أنت المبدأ للمثنوي ، فهما يزيد فإن زيادته منك أنت .
- وما دمت تريد الأمر هكذا فهكذا يريده الله ، إن الله تعالى يحقق رغائب المتقين .
- إن « من كان لله » تعبر عن وجود سابق ، وسرعان من تحل « كان الله له » جزاء عليها .
- إن المثنوي مدين لك بآلاف الشكر ، لقد رفع كفيه « ضارعا » بالشكر والدعاء .
- ولقد رأى الله سبحانه وتعالى شكره إياك في شفتيه وكفيه ، فقدم الفضل وأمر باللطف والمزيد .
10 - ذلك أنه - سبحانه - وعد الشاكر بالزيادة ، كما جعل - جل شأنه - القرب أجرا للسجود .
- وقال إلهنا « القدير » : واسجد واقترب ، صار السجود ، وهو من فعل أبداننا - قربا للأرواح .
- فإن كان ثم زيادة فهي من هذا القبيل ، لا من أجل التظاهر والجاه الدنيوي .
- ونحن معك كما يكون الكرم في الصيف ، والأمر في يدك ، هيا قم بالجذب ، حتى نجذب .
« 44 »
- واجذب هذه القافلة نحو الحج جذبا رفيقا ، يا أمير القول القائل : الصبر مفتاح الفرج .
15 - إن الحج هو زيارة للبيت ، أما الحج إلى رب البيت فهو من أفعال الرجال .
- ومن هنا فإن سميتك ضياءً يا حسام الدين ، فإنك الشمس وهاتان الصفتان ؛
- أي « كونك » حساما وضياء » صفة واحدة ، وإن حسام الشمس يكون من الضياء لا محالة .
- فالنور للقمر والضياء للشمس ، وأقرأ هذا المعنى في القرآن الكريم .
- لقد سمي القرآن أيها الأب الشمس ضياءً والقمر نورا . .
فأمعن النظر في هذا « الأمر » .
20 - ولما كانت الشمس أعلى في حد ذاتها من القمر ، فاعلم أذن أن الضياء أعلى مرتبة من النور .
- ومن ثم فإن أحداً لم يبصر السبيل في نور القمر ، لكن هذا السبيل ظهر عندما سطعت الشمس .
- فإن الشمس قد أبدت التبدلات في الأشياء « 1 » جيدا ، فلا جرم أن الأسواق تنصب نهارا .
- وذلك حتى يميز الخبيث من الطيب جيدا ، وحتى يكون المرء بعيدا عن الحيلة ، والغبن .
- ومنذ أن يكتمل ضياؤها في الأرض ، تكون للتجار رحمة للعالمين .
25 - لكنها بالنسبة للمزيف مبغوضة قاسية ، ذلك لأن بضاعته ومتاعه يصيران كاسدين .
..............................................................
( 1 ) حر : الأعواض . . . وفي نسخة المولوي الأعراض ، والمقصود بالطبع كل ما يظهر في ضوء الشمس من أشياء وبضائع .
« 45 »
- وإذا كان الزيف ( من العملة ) هو عدو الصراف اللدود ، فمن يكون عدوا للدرويش سوى الكلب .
- وعندما يشتبك الأنبياء مع أعدائهم ، تصيح الملائكة : يا رب سلم .
- ولتحفظ ذلك المصباح الذي يهب الضياء . . من محاولات اللصوص إطفاءه « 1 » ومن أنفاسهم .
- وكفى باللص والمزيف أن يكونا عدوين للضياء . . . فالغوث من هذين أيها المستغاث
30 - وقم برش النور على هذا الدفتر الرابع ، فإن شمسا قد سطعت من الفلك الرابع .
- هيا وهب من هذا « المجلد » الرابع الضياء كالشمس ، حتى يسطع على البلاد وعلى الديار .
- وهو أسطورة لكل من يقرأه كأسطورة ، لكنه بالنسبة لمن رآه نقدا لأحواله رجولة .
- إنه ماء النيل ، ظهر لآل فرعون « 2 » دما ، ولم يكن دما بالنسبة لقوم موسى ، بل كان ماءً ( زلالا ) .
- وعدو هذا الكلام يبدو الآن للنظر وقد نكس مقلوبا في سقر .
35 - ولقد رأيت أحواله يا ضياء الحق . . . وأبدي لك الحق الجزاء الذي ناله علي فعاله .
- إنها بصيرتك التي تنفذ إلي الغيب أستاذة كأنها الغيب ، ألا لا قلل الله من الدنيا هذه البصيرة والعطاء .
..............................................................
( 1 ) حر : نفخات .
( 2 ) في النص يذكر القبطي والمقصود التابع لفرعون والسبطي وهو التابع لموسي وقد أثرنا الترجمة بآل فرعون منعا لأي لبس أو سوء فهم .
« 46 »
- وخليق بنا هنا أن نكمل تلك الحكاية التي هي نقد لأحوالنا .
- ودعك ممن ليسوا بأهلها من أجل من هم أهل لها ، وأتمم الحكاية واستخلص نتيجتها .
- أنك تلك الحكاية . . . وإن لم تتم هناك « 1 » ، انظمها إذن في الكتاب الرابع .
* * *
.
شرح ديباجة مولانا الدفتر الرابع المثنوي المعنوي جلال الدين الرومي
[ شرح الأبيات ]
1 - 10 : الخطاب لحسن حسام الدين ( انظر مقدمة الكتاب الأول ) يشير مولانا إلى حديث « إن لله عبادا قلوبهم أنور من الشمس » وقد وصف حسن حسام الدين في مقدمة الكتاب الأول بقوله « ألقت الشمس عليه رداءها وأرخت النجوم لديه أضواءها »
وقال أبو الحسن الشاذلي « لو كشف من نور المؤمن الناقص لطبق ما بين السماوات والأرض فما ظنك بنور المؤمن الكامل ولقد سمعت شيخنا أبا العباس قال : لو كشف من نور الولي لعبد لهلك لأن أوصافه من أوصاف الله ولقوته من لقوته » ( انقروى 4 / 11 )
والمقصود بالبيت رقم 6 أن إرادة العبد المؤمن إن صحت نيته وقوى عزمه تكون من إرادة الله سبحانه وتعالى فالإرداة الإلهية يلزمها عمل من العبد ، ويفسرها بالبيت التالي مصداقا لحديث نبوي شريف « من كان لله كان الله له ( مولوى 4 / 9 والأنقروى 4 / 13 )
وفي قول لشوبنهور أن الإرادة هي أساس الوجود الإنسانى فهي التي تغير الإنسان ، وتغير الوجود وأحيانا يعرفها بالهمة ( همم الرجال تزيل الجبال ) وانظر الأبيات
« 375 »
2074 - 2077 من هذا الكتاب . ومن ثم فالمثنوى نفسه شاكر لحسن حسام الدين ، وما الغرابة في أن يشكر المثنوى ويهلل والجمادات كلها مسبحة بحمد الله تعالى وإن من شئ إلا يسبح بحمده ( سورة الإسراء - آية 44 ) وقد مر الحديث عن تسبيح الجماد في الكتاب الثالث ( حكاية صياد الحيات )
وفي الكتاب الأول ( حكاية قبول الخليفة لهدية الإعرابى ) ( انظر الكتاب الأول أول شرح الأبيات 2235 وما بعده ) كما ورد عند محى الدين بن عربى في الفتوحات المكية أن بعض الحروف في مرتبة النبوة وبعضها الآخر في مرتبة الرسالة ( انقروى 4 / 13 ) .
( 10 - 15 ) الشكر يستوجب الزيادة ، قال الله تعالى «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» ( سورة إبراهيم آية 7 ) فسجود الشكر هو القرب و « أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد » «كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ»
وانظر إلى هذه الصورة الكرم والشمس ، الكرم يجذب الشمس فتسطع الشمس تسطح عليه بجذبه إياها ، والكرم هو المثنوى والشمس هو حسن حسام الدين ، ظل يجذبه ، ويظل المثنوى متدفقا ما دام حسن حسام الدين يجذبه ، كما يجذب أمير الحج القافلة نحو بيت الله ، المراد بالحج في الشطرة الأولى من البيت 15 حج البيت ، أما المراد في الشطرة الثانية حج رب البيت وبينهما مراتب « انظر في أقوال الصوفية : حججت مرة فلم أر رب البيت . . إلى آخره باب الحج في شرح التعرف » .
أي إحرام نقوم به يا حافظ ما دامت تلك القبلة ليست هنا وأي جهد لنا في السعي ما دام الصفاء قد ذهب عن الكعبة ديوان حافظ ص 96
« 376 »
( 16 - 20 ) : الضياء للشمس والنور للقمر ومنزل الشمس أعلى من منزل القمر ، ومن ثم سميتك يا حسام الدين ضياء ولم أسمك نورا ، والحسام هو السيف وسيف الشمس من الضياء ، واقرأ هذا من القرآن الكريم «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ» ( سورة يونس آية 5 ) .
وفي تفسير نجم الدين كبرى « جعل شمس الروح ضياء ليستنير به عمى القلب » ( مولوى 4 / 10 ) ، وربما يفسر هذا البيت التالي فلا طريق في ضوء القمر ، بل لا بد من الشمس والدليل على أن مولانا جلال الدين يقصد بالشمس المرشد الكامل هو هذا البيت ، وكثيرا ما دق مولانا جلال الدين على هذا المعنى عن حديثه عن مرشده شمس الدين التبريزي ، والشمس هي التي تظهر حقيقة الأشياء ، أصالتها وزيفها كما يبدو من الأبيات التي تلت ذلك والتي يقدم فيها مولانا جلال الدين صورا من الواقع المعاش .
( 25 - 29 ) : مما يدل على أن مولانا جلال الدين كان يتحدث عن شمس غير الشمس ، وقمر غير القمر ، وأن المقصود هو شمس الطريقة أو الدرويش الكامل ما جمعه في البيت رقم 25 ، فالصوفى الذي يروج الزيف إنما هو عدو لروحه ، والزيف هنا هو زيف المادة وزيف الفكرة فإنما أول ما يضل إنما يضل نفسه ، وفي الشطرة الثانية يدخل عالمه الصوفي ، فمن يكون عدوا للدرويش الجوال إلا الكلاب التي تنبحه حيثما حل ، والكلاب هنا هي كلاب الصورة وكلاب السيرة ، ويشير الأنقروى أن المعنى مأخوذ من حكاية وردت عن أبي يزيد البسطامي عندما نبحه كلب فخلص نفسه منه بمشقة وعندما سأله أحدهم عن سر ذلك أجابه بقوله « يا أخي نحن مرآة مجلوة قد يرى كل أحد فينا صورته »
« 377 »
( القروي 4 / 17 ) ( وعن فكرة المرآة انظر الكتاب الأول / البيت 2365 وما بعده ) وهكذا أيضا الأنبياء فبينما يتحرش بهم كلاب الدنيا وطلاب جيفتها لأنهم المرايا التي ينظر فيها كل إنسان إلى صورته ، فبينما يدعو الملائكة بأن يحفظ الله هذا المصباح المضئ من الرياح العاتية : ويا رب سلم هو دعاء المؤمنين على الصراط ( استعلامى 4 / 192 - تهران 1369 هـ . ش )
فإنما يخشى النور من كان لصا محتالا ، وإنما يعادى الأنبياء من لا يسير على منهاجهم . . وماذا نقول ؟ !
إنما يعادى الشريعة من يرى أن أول ما يطيح سيفها البتار إنما يطيح برأسه الفاجرة ؟ !
حقائق لا يمكن أن يخفيها الجدل فهي من المسلمات التي يحدثنا بها مولانا جلال الدين في كل زمان ومكان .
( 30 - 39 ) : يخاطب حسن حسام الدين في عملية جذب مستمرة وهو من قبيل تواضع المرشد أمام المريد المستحق ، يطلب منه أن يصب النور على المثنوى أي أن يبدأ في الكتابة ، فكأن النور هنا من المريد وهو أصلا من الشيخ ، وكما أن الشمس تسطع من الفلك الرابع ،
وها هو المجلد الرابع من المثنوى يسطع بنوره على البلاد والعباد ، فهو هدى لمن اهتدى ، أما الذين لم يعترفوا به فهو عليهم عمى ( انظر 3 شروح 1150 وما بعدها ) وهو مجرد حكايات لمن يقرأه كحكايات لكنه رجولة لمن يراه نقدا له وعطية إلهية ، تماما كما كان نيل مصر شرابا للصابرين وحسرة على آل فرعون الكافرين ، كما ذكر في مقدمة هذا الجزء ( وانظر أيضاً الأبيات 3431 وما بعدها من هذا الكتاب ) ويسوق الأنقروى والمولوي حكاية على تفسير البيت التالي ( 34 ) إذ روى أن حسام الدين قال : إني رأيت في هذا الوقت عند قراءة الأحباب المثنوى استغرق الناس بنوره ورأيت جماعات الغيب بيدهم سيوف يضربون بها كل من لم
« 378 »
يستمعه وينصت إليه فيعلقون عضد إيمانه واعتقاده ويرمون به منكوسا في سقر ( مولوى 4 / 13 وانقروى 4 / 19 ) . كما وردت الرواية في مناقب العارفين للأفلاكى ( 2 / 745 ) ، وهكذا يرى مولانا أن حسام الدين قد رأى أحوال متلقى المثنوى تماما ، فإنما يكون جزاؤه من جنس عمله ، ومصيره من جنس تلقيه ، وبصيرتك يا حسام الدين الناظرة إلى عالم الغيب أستاذة في هذه الأمور ، وهنا إشارة للأفلاكى ( نقلها من جامى في نفحات الأنس ) أن المريدين عندما كانوا يقرأون المثنوى كان الملائكة يراقبونهم وإن لم يسمعوا جيدا كان إيمانهم يسلب .
وبصيرة غيب حسام الدين هي على علم بهذا المصير ( استعلامى 4 / 193 ) ، فلا أنقص الله هذه البصيرة ولا غيبها عن الدنيا ، وهيا دعك يا حسام الدين من أولئك الذين ليسوا بأهل لهذا الكلام ، وليكن همك وهمتك حكرا على من هم أهل له وعد بنا إلى تلك الحكاية التي تركناها دون إنهائها في الكتاب الثالث .
.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق