المقالة الثامنة عشرة عذر طائر آخر الأبيات من 1708 – 1793 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
المقالة الثامنة عشرة عذر طائر آخر الأبيات من 1708 – 1742
قال له آخر : أيها المعين والرفيق إنني لا أستطيع قطع الطريق ، إنني
عديم القوة شديد الوهن ، ولم يعرض هذا الطريق أمامي مطلقاً ،
إنه واد بعيد وطريقه عظيم المشاق ، لذا فإنني أموت في أول مراحله وما
أكثر الجبال المحرقة في الطريق ، إن هذا العمل ليس في مقدور كل مخلوق ،
وفي هذا الطريق تصبح مئات الألوف من الرؤوس كرات ،
وما أكثر أنهار الدم التي
سالت فيه وفاضت ، وفيه عجزت آلاف العقول ، ومن ذا الذي لا يطأطيء الرأس أمام السر
؟
وفي مثل هذا الطريق الذي يسحب الرجال فيه بلا رياء وشاحاً على رؤوسهم
من الخجل والحياء ، ماذا يتأتى مني أنا الضعيف غير الغبار ؟
فإن أعزم على المسير أمت من الألم والحسرة .
قال له الهدهد : يا من سيصيبك الهزال أكثر من هذا إلى متى سيبقى قلبك
في الأسر أكثر من هذا ؟
إذا كان لك حظ عسر في تلك الحياة ، فسواء مت أم لا فكلا الأمرين واحد
، الدنيا من أولها إلى آخرها دار نجاسة يموت الناس فيها متعاقبين ومئات الألوف من
الخلق يموتون متأوهين ،
وذلك من الألم في الدنيا وكأنهم ديدان صفراء ، وإن كنا سنموت فيها
متأوهين في النهاية ، فهذا أفضل من التألم في عين النجاسة ،
وإذا كان هذا الطلب خطأ منك ومني فهذا أمر مقبول كذلك مني حتى ولو أموت من الغم ، وإذا كانت الأخطاء وفيرة في الدنيا فلتتخيل أن هذا خطأ آخر كذلك .
إذا كان العشق مبعث سوء لأحد فهو أفضل من حرفتي الكناس والحجام ،
وكثيرون من الخلق قطاع طريق يجرون وراء هذه الجيفة الدنيوية ،
ولتعتقد أن العشق أقل من السرقة حيث أنه أقل غماً بالنسبة لك من
السرقة ، وكيف تجعل قلبك من هذا العشق بحراً إن كنت بالسرقة تعشق الكل ؟
وإن يقل شخص إن هذا العشق غرور فكيف تصل هناك ولم يدركه أحد قط ؟ وإن
أقدم روحي في غرور هذا العشق يكن هذا أفضل من ربط القلب بالمنزل والمتجر ..
ولقد رأينا كل هذا وبه سمعنا ولكن لم نتخل لحظة واحدة عن أنفسنا .
لقد صعب أمرنا بفعل البرية ، فما أكثر تاركي الصلاة الأذلاء منهم ،
إن لا نمت عن أنفسنا ونتطهر
عن الخلق فلن تخرج أرواحنا طاهرة من الحلق ، وكل من لا يقطع صلته بالخلق كلية ،
موته أفضل حيث لا يكون محرماً لهذه الحجب ، ومحرم هذه الحجب هو الروح
اليقظة ، ومن يحيا بالخلق لا يكون خليقاً بالطريقة ،
فاخط فيه إن كنت خليقاً بأفعال الرجال وإلا فلتكن كالنساء ، وفي
النهاية عن كل هذه المشاق تخل وتعلم العلم اليقين ،
حتى ولو كان هذا الطلب من باب المحال فهو العمل الحق وليس شيئاً هيناً ، الثمار تعلو شجرة العشق فقل لمن توفر لديه العزم لترفع رأسك .
وإذا سكن العشق قلباً سارع القلب بالسيطرة على روح ذلك الشخص ، والرجل
الذي تسيطر عليه هذه الآلام يخرج مضطرباً من بين الحجب ،
ومن لا ينج لحظة من نفسه تقتله نفسه ثم تطالب بالدية ، وإن تعطه ماء
فما أعطته إلا الأذى والعلة ،
وإن تقدم إليه خبزاً فلن يكون إلا خبزاً معجوناً بالدم ، أما من كان
في الضعف أكثر عجزاً من النملة أمده العشق كل لحظة بقوة هائلة ،
وإن يسقط إنسان في بحر الخطر والهم فكيف يستطيع أن يأكل كسرة خبز دون غم ؟
المقالة الثامنة عشرة حكاية 1
الأبيات من 1743 – 1762
رحل الشيخ الخرقاني إلى نيسابور فأصابه ألم الطريق كما أصابه الإعياء
، فقضى أسبوعاً داخل زاوية مرتدياً خرقة وكان في غاية الجوع دون مئونة ،
وما أن انقضى الأسبوع حتى قال : أيها الخالق لتمنحني رغيفاً ووفقني في قطع الطريق .
قال له هاتف : لتكنس ولتنظف في هذه اللحظة ميدان نيسابور عن آخره من الأتربة ، وعندما تكنس تراب الميدان عن آخره ستجد نصف دانق ذهباً فاشتر بعد ذلك الخبز واطعمه .
فقال : إن كنت أملك غربالاً ومكنسة ، فلم كانت مشقتي من أجل الخبز ؟
إن كبدي خاوية من كل رمق ، فامنحني يا إلهي القوت دون مشقة ولا تسفك دمي .
قال الهاتف : إذا كانت الراحة لازمة لك ، فاكنس التراب فإن الخبز
ضرورة لك أيضاً .
ذهب الشيخ وتحمل الكثير من المشقة حتى استدان من شخص الغربال والمكنسة
ثم كنس التراب بسرعة ، وفي النهاية وجد قطعة الذهب في آخر الغربال ، وعندما وجد
الذهب سعدت نفسه وأسرع صوب الخباز واشترى الخبز ، وما أن أعطاه الخباز الخبز حتى
نسي مكنسته وغرباله ،
فاشتعلت النار في روح الشيخ وسارع بالعدو وتعالى صياحه ثم قال : لا
وجود لمن يشبهني في حيرتي إنني لا أملك ذهباً فكيف أدفع عنها دية ؟
وأخيراً أصابه الجنون والوله واعتكف في الخرابة ، وما أن جلس بالخرابة
مهموماً مغموماً حتى رأى غرباله ومكنسته معاً ،
ففرح الشيخ وقال : إلهي لم جعلت الدنيا تظلم في وجهي ؟
لقد جعلت خبزي سماً لروحي ، فقل : لتعد روحي وليمض خبزي .
فقال له الهاتف : يا سييء الطوية لا يطيب الخبز من غير إدام ، فما أن وضعت أنت الخبز وحده حتى زدت أنا عليه الإدام فكن ممتناً .
المقالة الثامنة عشرة حكاية 2
الأبيات من 1763 – 1775
كان هناك عاشق جياش القلب يسير عارياً والناس في أبهى ثوب ، فقال :
إلهي جد علي بجبة محكمة واجعلني سعيداً ككل البرية .
صاح به هاتف وقال : كن حذراً لقد أعطيت شمساً حامية فاجلس فيها .
قال : يا رب إلى متى تصليني بعذابك ؟ إن الجبة لا تفضل الشمس لديك .
قال الهاتف : امض واصبر عشرة أيام أخر حتى أهبك جبة دون أن تلفظ بحرف
آخر .
وما أن انقضت الأيام العشرة حتى أحضر إليه رجل ولهان آلاف الرقاع مخيطة ، لقد أحضر إليه العديد من الرقاع لأن ذلك المحسن كان في فقر مدقع .
وأخيراً قال ذلك العاشق : أيها العالم بالسر لقد خطت هذه الأثمال
فربما أفادتك ذات يوم ، فهل احترقت ملابسك في خزائنها حتى وجب عليك خياطة تلك
الرقاع معاً ؟
وإن كنت قد خطت هذه الأثمال وقمت بوصلها فممن تعلمت فن الحياكة ؟
العمل ليس سهلاً في أعتابه ويلزمك أن تكون تراباً في طريقه ، وما أكثر
الذين وفدوا إلى هذه الديار من بعيد ، فاحترقوا بناره وأضاءوا بنوره ،
وما أن وصلوا إلى مقصودهم بعد عمر مديد حتى وقعوا في الحسرة دون أن يروا المقصود .
المقالة الثامنة عشرة حكاية 3
الأبيات من 1776 – 1787
سلكت رابعة الطريق إلى الكعبة في سبع سنوات ، سلكته زاحفة على جنبها ،
فما أعظمها إنها تاج الرجال ،
وما أن اقتربت من الحرم حتى قالت : لقد أتممت في النهاية حجتي ، وفي
يوم الحج يممت وجهها شطر الكعبة
وقالت : يا ذا الجلال لقد
قطعت الطريق زحفاً سبع سنوات طوال ،
لقد رأيت يوماً كله هموم حيث طرحت في طريقي أشواك وأشواك ، فإما أن تمنحني القرار في محرابك وإلا فدعني في داري .
ولعدم وجود عاشق لرابعة فكيف يمكن معرفة قدر صاحبة الواقعة ؟
طالما تداوم الطواف ببحر الفضول فإن الأمواج تتلاطم بين رد وقبول ،
ويسمح لك أحياناً بالمثول إلى الكعبة وأحياناً يوجهونك نحو الدير،
فإن تخلص رأسك من هذه الدوامة تزد راحة بالك كل لحظة ،
وإن تظل بهذه الدوامة فما أكثر ما تدور رأسك كالطاحونة ولن تجد لحظة تنعم فيها بالراحة إذ سيضطرب وقتك بسبب بعوضة واحدة .
المقالة الثامنة عشرة حكاية 4
الأبيات من 1778 – 1793
سكن أحد العاشقين المساكين ركناً ، فذهب صوبه ذلك العزيز ذو الشهرة وقال : إنني أرى فيك كفاءة وفي كفاءتك سعادة وهناءة .
قال : كيف أجد راحتي لدى أي فرد ، ولا خلاص لي من البراغيت والذباب ،
كم يؤلمني الذباب طوال النهار كما لا يغمض لي جفن من البراغيث أثناء الليل ،
لقد استقرت البعوضة في رأس النمرود فأصيب عقله بالحيرة وقلبه بالغم ،
فلعلي نمرود زماني حتى يكون نصيبي من حبيبي عذاب الناموس والبعوض والذباب .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق