المقالة الثالثة والأربعون في صفة وادي الحيرة الأبيات من 3779 - 3919 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
المقالة الثالثة والأربعون في صفة وادي الحيرة الأبيات من 3779 - 3791
بعد ذلك يأتيك وادي الحيرة ،
وفيه تصاب بالعمل المتواصل والألم والحسرة . وهنا يكون كل نفس سيفا مصوبا إليك ،
وهنا تحمل كل لحظة الأسى إليك ،
وفيه تكثر الآهات والحركة
والآلام ، ويكون النهار والليل لا ليلا ولا نهارا كذلك ، وفيه يتخيل الشخص أنه يقطر
دما ، لا من السيف ، ولكن من جذر كل شعرة ، ويا للعجب !
والنار تؤلم رجل هذا الوادي ،
فيحترق في الحيرة من آلام هذا الوادي ، وعندما يصل الرجل الحيران إلى هذه الأعتاب
، يظل في حيرة ويضيع منه الطريق ، كما يضيع منه كل ما حصلته روحه من توحيد .
وإذا قيل له : أأنت موجود أم لا ؟
ألا يليق بك أن تقول ، أموجود
أنت أم لا ؟
أأنت بين الخلق أم خارج عنهم ،
أم تتخذ منهم جانبا ؟
أأنت خفي أم ظاهر ؟
أأنت فان أم باق ، أم كلاهما
معا ؟
أم أنك لست الاثنين ؟
أأنت أنت ، أم أنك لست أنت ؟
فإنه يقول : إنني - في الحقيقة - لا أعرف كنهي .
كما أنني لا أعرف نفسي ، إنني
عاشق ، ولكن لا أعرف من أعشق .
ولست مسلما ولا كافرا . فماذا
أكون ؟
ولكنني لست عالما بعشقي ، ولا أعرف أقلبي مليء بالعشق أم أنه خلو منه .
المقالة الثالثة والأربعون حكاية 1
الأبيات من 3792
- 3871
ذلك الملك الذي كانت الآفاق
تحت إمرته ، كانت لديه فتاة جميلة كالقمر تعيش في بلاطه ، كانت كملاك رائع الجمال
في الحسن ، أو كالربيع والسرو في الملاحة والحسن ،
وكم جرحت مئات القلوب بطرتها ،
فكل شعرة منها عرق ترتبط به روح ، ووجها يبدو كالفردوس ، كما يبدو حاجبها وكأنه
القوس ،
ولما كانت السهام تنطلق من هذا
القوس ، فقد أقبل قاب قوسين مثنيا عليها ، أما عينها الشبيهة بالنرجسة الثملة
المحاطة بأهداب شوكية ،
فقد أردت الكثيرين من أهل
الحجا والعقل ، ووجه الشبيهة بالعذراء هذه ، في جمال شمس الفلك ، بل إنه يفوق في
الحسن بدر الفلك ، ودرها وياقوتها وهما قوت الروح ،
قد جعلا روح القدس في دهشة على
الدوام ، وإذا تبسمت شفتاها ، مات ماء الحياة صاديا ، وطلب الإحسان والإنعام من
شفتيها ،
وكل من أدام النظر إلى ذقنها ،
سقط منكس الرأس في قعر نونها ، وكل من أصبح أسير وجهها القمري ، سرعان ما تردى في
نونها بلا رسن . .
أخيرا مثل أمام السلطان غلام
في جمال البدر ، ليتولى الخدمة ، وما كان يتمتع به هذا الغلام من الجمال ،
قد أصاب الشمس والقمر بالمحاق
والزوال ، وفي بسيط عالمه لا قرين له ، وفي الحسن الفتان لا مثيل له ، ومئات
الألوف من الخلق في السوق والمحلة ، قد بهرهم ذلك الوجه كالشمس .
وقضاء وقدرا رأت تلك الفتاة
ذات يوم وجه غلام السلطان ، ففقدت السيطرة على قلبها وغاصت في الأحزان ، وتوارى
عقلها وراء الحجب ،
لقد ذهب العقل واشتد بها العشق
، وأصيبت روحها بالمرارة والألم ، وتملكها التفكر والتدبر وقتا من الزمن ، وفقدت
في النهاية الراحة والاستقرار .
وذابت شوقا ، كما احترقت بألم
الفراق ، وغص قلبها بالألم بسبب الذوبان
والحرقة والاشتياق ، وكان لها عشر مطربات من الجواري الحسان ، وكن على مرتبة عالية
في ترديد الأغاني ،
فكن في العزف كالبلبل
الصداح ، ولحنهن الداودي كان يسعد الأرواح ، فشرحت لهن حالها في التو والحال ،
وأقرت بفناء الاسم والشهرة والروح ، فكل من يتضح له عشق الأحبة ، كيف تستطيع روحه
الاستقرار في موضعها ،
وقالت : إن أفصح للغلام عن عشقي ، يكن خطأ كبيرا ،
لأن هذا بعيد عن الصواب .
كما أن الحشمة تصيبني
بالكثير من المضار ، وأنى لهذا الغلام أن يصل من مثلي ؟ وإن لم أفصح عن قصتي ، أمت
خلف الحجب متألمة متأوهة ، لقد قرأت زهاء مائة كتاب أملا في الصبر ! فماذا أفعل ؟
لقد نفذ صبري كما أصبحت عاجزة .
وما أبغيه من سروي
القد ، أدرك أنه لا علم له به ، فإن يتم تحقيق مقصودي هذا ، فإن أمر روحي يكون وفق
مرادي .
عندما سمعت المطربات
هذا القول ، قلن لها : لا تحزني !
بالليل نحضره خفية
أمامك ، ولن يكون لديه أي خبر عن ذلك
.
وأخيرا ذهبت إحداهن
متخفية أمام الغلام ،
وقالت : الآن أقدم له الخمر والكأس وأضع في الخمر
دواء مذهبا للعقل ، فلا جرم أن يسري في أوصاله فقدان الشعور
.
ما أن احتسى الغلام
ذلك الخمر ، حتى فقد صوابه ، وهكذا كلل سعي تلك الجارية الفاتنة بالنجاح ، وظل
الغلام الفضي الصدر ثملا لا يعرف شيئا عن كلا العالمين ، وذلك طوال اليوم حتى
المساء .
ما أن أقبل الليل حتى
جاءت الجواري صوبه في حذر واضطراب ، ثم وضعنه في فراشه ، وحملنه خفية إلى تلك
الفتاة ، وبسرعة أجلسنه على عرش ونثرن عليه ماء الورد والمسك
.
وفي منتصف الليل
عندما بات الغلام نصف مفيق ، فتح عينيه الشبيهتين بالنرجسة عن آخرهما ، فرأى قصرا
يشبه الفردوس في روائه ، ورأى عرشا ذهبيا يحيط به ،
وقد اشتعلت عشر شموع
عنبرية أكثر مما تشتعل أعواد الحطب ، وشغلت الفتيات بالطرب والإنشاد ، حتى ودع
العقل الروح ، وودعت الروح الجسد .
وكانت الفتاة تجلس
وسط الجمع كأنها الشمس بفعل نور الشمع ، فجلس الغلام يتملكه السرور والفرح ، وفقد
نفسه أمام طلعة الفتاة ،
وظل حائرا فاقدا
العقل والروح ، بعيدا عن إدراك هذا العالم أو ذاك ، وامتلأ قلبه عشقا ، وعجز لسانه
عن النطق ، وأدركت روحه الحال من الذوق ، وتعلقت عيناه بوجه الفتاة وأنصتت أذناه
إلى صوت الألحان ، وتنسمت مشامه رائحة العنبر
.
وأخيرا خرجت أنفاسه
أكثر لهيبا من النار ، فأسرعت الفتاة وأعطته كأس خمر في الحال ، كما جعلت القبلة
نقل الشراب
"" كما يقول الشاعر العربي :
وشربنا من المدام كئوسا * وجعلنا التقبيل نقل الشراب ""
، فظلت عينه معلقة بطلعتها ، ودهمته الحيرة من
التطلع إلى وجهها ، ولما لم ينطق لسانه بكلمة ، ذرفت الفتاة الدمع ، وحكت رأسها
جزعا ،
وهكذا ظلت الفتاة
الفاتنة تذرف الدمع غزيرا منسابا على وجنتيها ، كما كانت تقبله قبلة كالسكر أحيانا
أو تضع الملح في القبلة بلا شفقة أحيانا ،
وأحيانا تداعبه
بطرتيها المضطربتين ، وأحيانا تفقد نفسها في عينيه الساحرتين
.
ظل الغلام الثمل أمام الفتاة الجذابة محدقا عينيه ، لكنه ليس في صحو ولا غيبة ، وظل الغلام على هذه النظرة ، حتى أقبل الصبح بإشراقة تامة .
وما أن أقبل الصبح
وهبت نسائم الصباح ، حتى فقد الغلام كل وعيه مما به من سكر ، وما أن نام الغلام
العالي المنزلة ، حتى أسرعن بحمله إلى مكانه مرة أخرى
.
ما أن ثاب الغلام
الفضي الصدر إلى رشده آخر الأمر ، حتى تملكه الاضطراب ولم يعلم حقيقة ما حدث له ،
وكيف حدث ما حدث ،
ولكن أي جدوى له من
الاضطراب ؟
وعلى الرغم من أنه لم
يصب بأي آلام أو مضرة ، فقد تصبب عرقا من الرأس إلى القدم ، فضرب بيده ثوبه ومزقه
، واقتلع شعره ، ونثر التراب على رأسه ،
فسألوه عن القصة فقال : إنني لا أستطيع ترديد ما حدث ، لأن ما
رأيته وأنا ثمل نشوان ، لا يمكن أن يراه في منامه أي انسان .
وتلك الأمور التي
تركتني في وحدتي حيران ، لا أعلم أنها حدثت لإنسان ، وما رأيته لا أستطيع التعبير عنه
، ولا يوجد سر أعجب مما حدث
.
فقال الجميع : ثب إلى رشدك في النهاية .
واذكر ولو قليلا من
الكثير الذي رأيته
.
فقال : لقد ألم بي العجز كأي مضطرب ، ولا أعلم هل
رأيت كل ذلك ، أم رأيت شيئا آخر ؟
كما أنني لا أعلم هل
رأيته مما بي سكر ،
أم سمعته وأنا في صحو
ورشد ؟
وهل سمعت كل شي أم لم
أسمع شيئا ؟
وهل رأيت كل شي ، أم
لم أر شيئا ؟
فقال له أحد العقلاء
: لقد رأيت حلما ، فلم يتملكك الاضطراب
والجنون ؟
قال : لا أعلم إذا كان ما رأيته في عالم الوهم
أو في عالم اليقظة ، ولا حال أعجب من هذا في الدنيا ، فهذه حالة لا واضحة ولا خفية
، ولا أستطيع القول ، كما لا أستطيع الصمت ، وأنا في دهشة بين هذا وذاك .
ولن يمحى ذلك الزمان
من روحي ، كما أنني لا أجد ذرة تدلني عليه ، لقد رأيت صاحبة جمال ، لا يضاهيها أحد
في كمالها بأي حال ،
وليست الشمس أمام
طلعتها إلا ذرة ، واللّه أعلم بالصواب ، وكيف أتكلم أكثر من هذا وأنا لا أعرف
حقيقة ما حدث ،
وعلى الرغم من أنني
قد وأيتها من قبل ، ولكن لا أعلم هل رأيتها أو لم أرها ؟
وها أنذا مضطرب بين هذا وذاك !
المقالة الثالثة والأربعون حكاية 2
الأبيات من 3872 - 3884
كانت إحدى الأمهات
تقف على قبر ابنتها تبكيها ، فنظر إليها أحد السالكين ، وقال : لقد أحرزت هذه
المرأة السبق على الرجال ، إنها ليست مثلنا ،
بل إنها تعرف تمام
المعرفة من الذي افتقدته وأصبح بعيدا عنها ، ومن الذي سبب لها هذا الجزع الشديد .
إنها موفقة لأنها
تدرك حالها ، وتدرك من أجل أي شي يجب البكاء
.
أما أنا فقد اعتراني الهم ، وقد جلست أكابد الأحزان طول الليل والنهار ، ولا أعلم لماذا يتملكني الغم ، وعلى من أبكي وأذرف الدمع .
ولست أعلم شيئا ، لذا
وقعت في الحيرة ، ولا أعلم عن من ابتعدت ، وأصبحت روحي واهنة .
إن هذه المرأة لها السبق على ألف من أمثالي ، لأنها تعرف جيدا من افتقدته ، أما أنا فلا أعلم شيئا ، وهذا يسبب لي الحسرة ، بل يكاد يقضي علي ويقتلني بالحيرة.
في مثل هذا المنزل لا
يظهر أثر للقلب ، بل إن المنزل لا يظهر هو الآخر كذلك ، وقد أصيب العقل بالزوال،
ومنى التفكير بالاضمحلال،
ومن يصل إلى هنا يدركه الفناء ، ويفقد أطرافه الأربعة ، وإذا أدرك أحد طريقا هنا ، فقد أدرك سر الكل في لحظة واحدة .
المقالة الثالثة والأربعون حكاية 3
الأبيات من 3885 - 3898
كان أحد الصوفية يمضي في طريق
، فسمع صوت شخص يقول :
لقد فقدت مفتاحا ، فمن ذا وجد
مفتاحا في هذا المكان ؟
إن الباب مغلق ، وقد جلست على
تراب الطريق .
ماذا أفعل ، لو ظل الباب موصدا
أمامي ؟
وكيف أتصرف ، لو استمرت هذه
الآلام ؟
فقال له الصوفي : من قال لك ابتئس ؟
فما دمت تعرف الباب ، فامض
إليه ، وقل : لتظل مغلقا .
فإن تكثر الجلوس أمام الباب
المغلق ، فسيفتحه شخص ما بدون أدنى شك ، أن أمرك يسير ، أما أمري فعسير ، لأن روحي
تشتعل من التحير ،
وليس لأمري بداية ولا نهاية ،
ولا باب له ولا مفتاح على الإطلاق .
ليت هذا الصوفي قد أسرع ، ووجد بابا مغلقا أو مفتوحا ، فليس للآدميين سوى الخيال ،
وليس لأي انسان أن يعلم حقيقة هذا الحال .
كل من تردى في وادي الحيرة ،
تردى كل آونة في مائة عالم من الحسرة ، فإلام أتحمل الحسرة والاضطراب ؟
وإذا كان هؤلاء قد ضلوا الطريق
، فكيف أدركه أنا ؟
ولا أعلم وليتني أعلم !
فإن أعلم أسقط في الحيرة ، وهنا يحق للرجل أن يستعذب الشكاية ، فقد صار الكفر إيمانا ، وصار الإيمان كفرا .
المقالة الثالثة والأربعون حكاية 4
الأبيات من 3899
- 3912
أصابت الآلام الشيخ نصر
آباد ، وقد حج أربعين حجة متوكلا على اللّه ، فما أعظمه من رجل ! وبعد ذلك
ابيض شعره ونحل جسده ،
ثم رآه أحد الأشخاص عاري الجسد
إلا من إزار ، حيث كان قلبه مفعما بالحرقة ، وروحه غاصة باللهيب ، فعقد الزنار ،
وبسط كفه ، وأقبل متخليا عن كل
كذب ورياء ، وانهمك في الطواف حول معبد النار .
فقال ذلك الشخص : يا عظيم العصر ، أي فعلة هذه تبدر منك ؟
ألا يتملكك الخجل في آخر الأمر
؟
لقد أديت فريضة الحج كثيرا ،
وحزت أسباب السعادة ، فهل يكون الكفر هو النهاية ؟ إن هذا العمل لا يتم إلا عن
جهالة ،
وبسببك أصيب أهل القلوب بسوء
السمعة ، وأي شيخ طاف بهذا الطريق ؟
ألا تعلم أن هذا هو معبد النار
؟
فقال الشيخ : لقد اشتد بي الحال ، وأصابت النار جسدي وكل ما أملك ،
وأسلمت النار كل حصادي للريح ، كما أسلمت إليها كل شهرتي وسيرتي ،
وتملكتني الحيرة والوله من
أمري ، ولا أعلم حيلة لما اعتراني .
وإذا كانت تلك النار قد سيطرت
على روحي ، فكيف يبقى لي اسمي وشهرتي لحظة واحدة ؟
وعندما أصبحت أسير هذا العمل ، مللت كل من الكعبة والكنيسة ، وإن تصبك ذرة من الحيرة هكذا ، فستصاب بمئات الحسرات مثلي !
"" الشيخ نصر آباد : اسمه إبراهيم بن محمد بن محمويه
، ولد في نيسابوري وأقام بها ، وكان شيخ زمانه في الحقائق وعلوم التصوف.
تتلمذ على إبراهيم الشيباني ،
ورأى الشبلي والواسطي ، وصادق كلا من أبي علي الرودباري والمرتعش وأبي بكر طاهر
الأبهري ، وفي نهاية عمره رحل إلى مكة واستقر بها حتى فاضت روحه هناك عام 371 هـ.
(انظر نفحات الأنس طبعة طهران ص 230 ) .""
المقالة الثالثة والأربعون حكاية 5
الأبيات من 3913 - 3919
كان لمريد حدث قلب وضاء كالشمس
، فرأى شيخه ذات ليلة في منامه ،
فقال له : لقد سيطر الحزن على قلبي من الحيرة ، فخبرني كيف مضى
أمرك هناك ؟ لقد احترق قلبي لفراقك ،
واحترقت من الحسرة لبعادك ،
وأصبحت من حسرتي أبحث عن السر ، فخبرني كيف يكون أمرك هناك ؟
فقال الشيخ : لقد بقيت حائرا ثملا ، وأعض أناملي غيظا ، وما أكثر ما
وقعنا في قعر هذا السجن والبئر ،
فنحن في هذا المكان أكثر حيرة
منكم وذرة واحدة من الحيرة في العقبى ، تكون عندي أكبر من مائة جبل في الدنيا .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق