المقالة الثانية والأربعون في وصف وادي التوحيد الأبيات من 3673 - 3778 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
المقالة الثانية والأربعون في وصف وادي التوحيد الأبيات من 3673 - 3680
بعد ذلك يأتيك وادي التوحيد ، فيقبل عليك منزل التجريد والتفريد ، وعندما تسحب الوجوه من هذه الدنيا إلى صحراء التيه ، فسيرفع الجميع رؤوسهم من فتحة واحدة ، وسواء رأيت كثرة أم قلة ، فسيكون الكل واحدا بلا شك ، فإن يكثر تداخل الواحد في الواحد دواما ، فسيتوحد الواحد في الواحد تماما ، ولن يتم لك هذا الفرد الأحد لأن ما يتم لك هو الفرد المتعدد ، وإذا خرج ذلك عن الحد والعد ، فاقطع النظر عن الأزل والأبد ، وإذا تلاشى الأزل ، فالأبد خالد ، ولا أهمية لهما معا في حد ذاتهما ، فإذا كان الكل عدما ، فهذا كله عدم أيضا ، وما هذه كلها إلا عدم في الأصل .
المقالة الثانية والأربعون حكاية 1
الأبيات من 3681 - 3685
قال رجل عظيم لذلك
الواله : ما هذا العالم ؟ وما
تلك الدار كذلك ؟
قال : إن هذا العالم غاص بالشهرة والسمعة ، وهو
كنخلة من شمع مزدانة بألوان عدة ، فإن يحك أحد هذه النخلة بيده ، فإنها تتحول إلى
قطعة شمع بلا شك .
وإذا كان الجميع شمعا ، ولا شيء غير ذلك ، فامض لأن هذه الألوان لا تساوي درهما ، فإذا كان أحديا ، فلا يمكن أن يكون ثنائيا ، كما لا يخرج من هذا الأنية ولا الأنتية . .
المقالة الثانية والأربعون حكاية 2
الأبيات من 3686 - 3718
مضت تلك العجوز إلى
أبي علي ، وكانت تحمل صحيفة من ذهب ، فقالت : خذ هذه مني ،
فقال الشيخ : إنني على عهد ، وهو ألا أخذ شيئا قط إلا
من اللّه لا من أحد ،
فقالت العجوز في
الحال : يا أبا علي ، من أين لك في النهاية هذا
الحول ؟
إنك لست رجل حل وعقد
في هذا الطريق ، فكيف ترى الغير إن لم تكن أحول ؟
ليس في عين الإنسان
هنا إلا شيء واحد ، حيث لا وجود هنا للكعبة أو الدير
.
إذا وصل السالك إلى
حد القلب ، ووصل في الطريق إلى تلك المرتبة ، فإنه يسمع منه كلاما بينا ،
ويبقى وجوده به دواما
، ولن يرى أحدا قط غيره لحظة ، ولن يعرف أحدا خالدا سواه ، ويكون دائما فيه ومنه
ومعه ، ولكنه خارج عن نطاق الثلاثة كلها
.
كل من لا يفنى في بحر
الوحدة ، غير خليق بالآدمية ، حتى ولو كان آدم نفسه ، وكل من كان من أهل الفضل ،
أو من أهل العيب ، له شمس في جيب الغيب ،
وسيأتي يوم في النهاية ، وتضمه الشمس إلى حوزتها وترفع النقاب ، وكل من وصل إلى شمسه ، اعلم يقينا أنه تخلص من كل حسن وقبيح .
إن فنيت أدركت العشق
والمحبة ، كما تدرك الحسن هناك ، وتتخلى عن السوء هنا ، لكن إن تظل في وجودك ،
فسترى الحسن والسيء في هذا الطريق الطويل ، فما أن جئت من العدم إلى الوجود ،
حتى جئت أسير وجودك ، فيا ليتك تكون الآن كما كنت أولا ، حيث كنت عن الوجود معطلا ، فطهر نفسك كلية من الدنية ، ثم أسلم هذه النفس إلى.
الريح بعد ذلك وارها التراب ، وما بداخلك من حسد وضجر تراه أعين الرجال ، لا عينك
أنت ، ومن أين لك أن تعلم ما بداخلك ، سواء أكان مبردا أو موقدا ؟
ففي داخلك موقد مليء
بالتناين ، وقد حررتها وأنت في غفلة ، ثم اختفى التنين والعقرب تحت حجبك ، حيث
ناما وأخفيا نفسيهما ،
فإن تفسح لهما المجال قيد شعرة ، فإنك تجعل كل واحد منهما بمثابة مائة تنين .
لكل فرد نار مليئة بالتنانين ، فطالما تتوقف عن العمل ، فالنار تواصل العمل . وإن تتخلص منها وتتطهر ، تصبح سعيدا في رقدتك بين الثرى ، وإلا فستظل العقارب والتنانين تلدغك تحت التراب لدغا شديدا حتى يوم الحساب .
وأنت يا عطار ، متى
تتخلص من هذا الكلام المجازي ، وتعود إلى سر أسرار التوحيد ؟
فعندما يصل السالك
إلى ذلك المكان ، يتلاشى الرجل والمكان من الطريق ، يتلاشى لأنه هو وحده الظاهر والبادي
، ويلزم الصمت ، لأنه وحده المتكلم والناطق ، ويفني الجزء ، ويبقى الكل ،
ثم يفنى الكل والجزء معا ، وتبدو الصورة مثيرة للعجب ، وقد فنى العضو ، كما فنت الروح ، وتتولد كل أربعة ، من كل أربعة وتخرج مائة ألف من مائة ألف ، وترى في مدرسة هذا السر العجيب أنه قد صديت شفاه مائة ألف نجيب .
ما قيمة العقل هنا
وقد وقف بالباب عاجزا ؟
كما ظل كطفل ضرير أصم ، وقد ضاع منه كل سر حصله عن هذين العالمين ، ولست إلا شعرة من هذا الشخص ، فكيف يتأتى سر من شعرة في الدنيا ، فإن انعدم هذا الشخص بالكل ، فالكل هم هذا الشخص ، وسواء كان العدم أو الوجود ، فهذا الشخص موجود .
المقالة الثانية والأربعون حكاية 3
الأبيات من 3719 - 3730
قال لقمان السرخي
: إلهي ، إنني شيخ هرم ولهان ضللت الطريق
، وإن العبد الطاعن في السن يكافأ بوثيقة عتقه وإطلاق سراحه ،
أما أنا فما زلت عبدا لك يا
إلهي ، وقد ابيض شعري الأسود . إنني عبد تحمل الكثير من الغم ، فامنحني السعادة ،
لقد أصبحت شيخا ، فانعم علي بوثيقة العتق والحرية .
قال له هاتف : يا من يعد من خواص الحرم ، إن كل من يطلب الخلاص من
العبودية ، عليه أن يفني عقله وتكليفه معا ، فتخل عن كلا الاثنين ، وسر في الطريق .
فقال : إلهي ، إنني أطلبك أنت على الدوام ، وليس لي بالعقل
والتكليف أي اهتمام .
وأخيرا خرج عن حدود العقل
والتكليف ، وظل يرقص مما تملكه من جنون ، ويقول : إنني لا أعرف الآن ، من
أنا ، فإن لم أكن عبدا ، فمن أنا ؟
لقد انمحت العبودية ، وانعدمت
الحرية ، وما تبقت ذرة هم أو بارقة سعادة في القلب ، وهل عدمت الصفة ؟
أم أنني أتسم بأي صفة ؟
وهل أنا عارف ؟ أم أنني عدمت
المعرفة ؟
ولا أعلم أأنا أنت ، أم أنت أنا ؟ فقد فنيت فيك وتلاشت الأنية .
"" لقمان السرخسي : جاهد كثيرا في بداية
سلوكه الطريق ، وفجأة أنعم عليه بالكشف وولى منه العقل ، وقد وردت هذه الحكاية في
( أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد )
وذكرت : أن لقمان سمع بعد تضرعه من يقول له : " يا لقمان قد
اعتقناك " .
ويقول مؤلف أسرار التوحيد ، إن الدليل على عتقه أن أخذ منه العقل
والتكليف .
انظر : أسرار التوحيد في مقامات الشيخ أبي سعيد لمحمد بن المنور بن أبي سعيد ترجمه : إسعاد عبد الهادي قنديل ؛ القاهرة : ص 40 – 41. ""
المقالة الثانية والأربعون حكاية 4
الأبيات من 3731 - 3739
ما أن وقع أحد المعشوقين قضاء
وقدرا في الماء ، حتى أسرع عاشقه وألقى بنفسه في الماء ، وعندما اقترب كل منهما من
الآخر ، سأل المعشوق العاشق قائلا : أيها الجاهل إذا كنت قد سقطت أنا في
هذا الماء الجاري، فلم ألقيت بنفسك في لجته؟
فقال : لقد ألقيت بنفسي في الماء ، لأنني لم أعرف نفسي من نفسك
، فقد مضى وقت بلا ريب حتى أصبحت أنا أنت ، وأنت أنا ، وأصبحنا واحدا ،
فهل أنت أنا ، أم أنا أنت ؟
وإلام كانت الثنائية ؟
فإما أنني أنت ، أو أنك أنا ،
أو أنك أنت أنت ، وعندما تكون أنت أنا، وأنا أنت على الدوام ، يكون جسدانا واحدا
والسلام .
وإذا كانت الثنائية بيننا ،
فالشرك قد أصابك ، وإذا انمحت عنا الثنائية ، فالتوحيد قد أدركك .
أفن نفسك في اللّه ، فهذا هو التوحيد ، وافن الفناء نفسه ، فهذا هو التفريد .
المقالة الثانية والأربعون حكاية 5
الأبيات من 3740 - 3778
كان يوما كله يمن وسعادة ، يوم أن قام جيش محمود بالعرض ، فقد سار صوب الصحراء عدد وفير من الفيلة والجنود ، وكانت هناك ربوة اعتلاها السلطان محمود ،
ومضى في رفقته إياز وحسن ،
واستعرض ثلاثتهم ذلك الحشد ،
وأصبح وجه العالم من كثرة الفيلة
والجند ، كطريق سدته النمال والجراد ، وما رأت عين العالم مثل ذلك الجيش ، وما رأى
شخص قط جيشا كثيف العدد كهذا الجيش ،
وبدأ السلطان الحديث قائلا
لغلامه إياز : أيها الغلام ، لتكن هذه
الفيلة وأولئك الجند تحت إمرتك ، فأنت السلطان بالنسبة لهم ولي .
ومع أن السلطان العظيم قال هذا
الكلام ، فإن إياز لم يأبه به ، ولم يحرك ساكنا ، ولم يوجه أي شكر للسلطان ،
ولم يقل غير : ماذا قال لي السلطان ؟
اضطرب حسن ، وقال : أيها الغلام ، إن كان السلطان يبالغ في احترامك ؛
فلم تجلس هكذا بلا أدب ؟
ولم لم تحن ظهرك وتقدم للسلطان
الشكر ؟
ولم لا تحترمه الاحترام اللائق
به ؟
فما فعلته لا يليق أمام
السلطان .
عندما سمع إياز هذا الخطاب كله
، قال : إن القول يرد عليه بجوابين
، أما الجواب الأول : إن هذا الشخص الوقح ، إذا أراد
أن يقدم الشكر للسلطان ، فإما أن يركع بخضوع أمامه ،
وإما أن يتكلم بذلة أمامه ،
وسواء أكثر من هذا أمام السلطان أو قلل ، فإن ذلك سيكون نابعا من جهله أمام
السلطان ، فمن أكون أنا حتى أقوم بهذا العمل ؟
ومن أكون حتى أشعر بأنني جدير
بتقديم الشكر ؟
فالعبد عبده ، والتشريف تشريفه
، فمن أكون أنا وأمر الجميع أمره ؟
إن ما يظهره السلطان المظفر كل
يوم لإياز ، ومنه ذلك الكرم الذي أظهره اليوم لإياز ، لا أعلم كيف يكافأ عليه ،
غير أن كلا العالمين يدعوان له ، وأي مكانة لي في هذا العرض حتى أبدو فيه ؟
ومن أكون حتى أظهر فيه ؟
ولا أستطيع تقديم أي خدمة له
أو شكر ، كما لا أمثل أمامه ، فمن أكون حتى أكون جديرا به ؟
إنني لا أستطيع تقديم أي خدمة
له ، حيث قد قدمت كل ما عندي وهو أني ربيت قلبي وروحي في مضمار عشقه .
عندما سمع حسن هذا القول من إياز
قال : أحسنت يا إياز يا عالما بالحق
، ومن الإنصاف القول بأن كل لحظة من أيام السلطان ، جديرة بمئات الإنعام لهذا
السلطان ،
ثم قال له حسن : لتقل الجواب الثاني .
فقال : ليس من الصواب قوله أمامك ، حيث لا أقوله إلا إذا انفردت
بالسلطان ، إذ لابد لهذا القول من محرم يحافظ عليه ، ولما كنت غير محرم لذلك ،
فكيف أقوله لك ، ولست أنت
السلطان ؟
ثم أبعد السلطان حسنا عن مجلسه
، فمضى حسن حتى توسط الجند ، ولما خلت الخلوة ، من ( نحن ) ومن ( أنا ) ، ولما كان
حسن كشعرة ، فقد ولى ،
فقال السلطان : إننا في خلوة فقل السر ، وقل لي ذلك الجواب الخاص .
قال ( اياز ) : في كل آونة يشملني السلطان بلطفه وعطفه ، وينعم علي أنا
المسكين بنظرة ، ففي ضياء شعاع تلك النظرة يمحى وجودي كلية ،
وقد تطهرت في تلك الساعة من
الطريق حياء من شمس عظمة السلطان ،
وما دمت سأفنى كلية من عالم الوجود ، فكيف أشكرك بالانخراط في السجود ؟
فإن تر أحدا في ذلك الزمان ،
فليس هذا الشخص أنا ، إنما هو السلطان ، وإن تتلطف معي مرة أو مائة مرة ،
فأنت تفعل هذا مع نفسك ، والظل
الذي يختفي في الشمس كيف يقدم أي خدمة من أي صنف ؟
وإياز ظل في محرابك ، وهو يتلاشى أمام شمس طلعتك ، فإذا فنى عبد عن نفسه ، فهو فان ، وافعل ما يعن لك ، فأنت تعلم أنه فان .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق