الباب الخامس والخمسون في معنى قوله والذين هم على صلاتهم دائمون .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
الباب الخامس والخمسون في معنى قوله : « والذين هم على صلاتهم دائمون »
إذا ما صح لعبد الدوام * يصح له الدوام على الصلاة
ففي ديمومية السر المعلى * بشارات الإقامة والثبات
أقامك في المعارج تبتغيه * لتلحقه رداء المكرمات
ففاجأها بنعت لا يسامى * ويعلو عن سمات المحدثات
فعانقها وضاجعها قليلا * فأولدها بسر الذاريات
فلما عاينت شخصا سويا * تعالى عن لحوق المرسلات
تولت نحو حضرتها وقالت * عشقنا الدائمات الملقيات
وقلنا حين قالت ما سمعنا * عشقنا الجاريات الحاملات
من عرف سر وضع الصلوات : لم يزل يستعمله في عموم الحالات ، على تنوع التصرفات ، فلا يبرح على صلاته دائما ، ولسرها حاكما ، ولا يقنع بالاقتصار على محافظة الأوقات ، فإنه لأهل الأشغال والغفلات ،
ولا شغل للعارفين إلّا بربهم : ولا مراقبة لهم في شيء إلّا في قلبهم ، فإن الذي وسعه ، وناداه فسمعه ، فهو في كل الأحيان شاهده وسره ، مع الأنفاس عابده ، فقابل الدوام بالدوام ، وزاد عن التعيين المنفصل عند أصحاب الليالي والأيام ،
فجواد همته في ميدان الديمومية سابح : ونون سره في بحرها المتلاطم سابح وإن كانت للصلاة مرتبتان محققان مرتبة عميمة ومرتبة مخصوصة ، وأسرارها عند المحققين الذين هم على بينة من ربهم منصوصة ،
والدوام إنما يقع في المرتبة العامة وهي المناجاة ، وأما المرتبة المخصوصة فلا يتمكن فيها الدوام ، لاختلاف المقامات ،
وتنوع التنزلات ، لتنوع الحالات فمن وقف على سر الحضور :
لم يقتصر به على بعض الأمور ، وفيه يصح الدوام عند علماء الإلهام .
فقد تبينت الرتب وتحققت النسب .
جعلنا اللّه وإياكم ممن داوم على صلاته في الحكمين ، ففاز بالعلمين .
وقد تمّ الباب : وبتمامه تم جميع الكتاب .
وجميع ما فيه من الأبيات هو من سنوح الخاطر ، على ما أعطاه الوقت الحاضر ، إلّا البيتان اللذان في الباب الأول ، فإنهما لغيري ، وهما :
يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولا ستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
الحمد للّه رب العالمين ، وصلاته على محمد وآله أجمعين ، وسلّم تسليما دائما كثيرا كثيرا
.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق