الباب الثاني والخمسون في اختصاص الصبح بيوم السبت ، ومن هو الامام فيه ، وما يظهر فيه من الانفعالات .كتاب التنزلات الموصلية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الطائي الحاتمي
الباب الثاني والخمسون في اختصاص الصبح بيوم السبت ، ومن هو الامام فيه ، وما يظهر فيه من الانفعالات
لم يبق للأيام فعل ينتمي * فيه إليها غير يوم السبت
يوم له فضل على اخوانه * فيه وضعنا سرنا بالسبت
يوم إذا رفعت لنا أعلامه * قطعت إليه ركابنا بالسبت
منها منطقة عزيز نيلها * وقلائص : موصوفة بالصمت
وقلائص حرنت على ركابها * وقلائص : موسومة بالسمت
( وقلائص تشكو الطوى في سيرها ) * وقلائص شغلت برعي النبت
وقلائص تشكو ؟ الوجا وقلائص * حفيت [ وتوضع ] في السرى المنبت
لا تشتكي ألم الوجا لخلوصها * في سيرها من سطوات السبت
للّه من يوم كثير فعله * في الكون محمود كريم الشخت
يوم تصرف في جهات ستة * ملك على الأيام سامي التخت
شمس اليمين مع الإمام ، وفوقه * ليل الشمال وخلفه والتحت
ما زال مخصوصا على إخوانه * بالجمع في تصرفه والشت
فله المشيئة في سرائر ملكه * بالوصل في ترتيبها والبت
لا تنتمي لحقيقة علوية * إلّا إذا جاءت بوفق البخت
للشرع منه شفاعة مقبولة * مقسومة من أجل أهل المقت
بين الذي ما زال يعبد واحدا * في الفطرتين وبين أهل التخت
يدني سعادته من أهل جلاله * وكذا شقاوته من أهل السحت
فكأنه صوفي وقت وجوده * ما زال يسكن تحت حكم الوقت
ثم جاءت الروحانية المسرحة الإنسانية ، بأيديهم الرايات السود الخراسانية ، ومعهم براق أدهم ، كأنه قطعة ليل مظلم ، فامتطوته عشاء ، واندفعت طالبا اعتلاء ، إلى أن وصلنا سماء الخليل ، فاستأذن الرسول ، وإذا بإبراهيم ( ع ) ، قد غشيته الأنوار الليلية ، والضياءات الإلّيّة ، فعندما أبصرت هذا الأب الثاني ، سويت المثاني ،
واندفعت أقول ( بهذه الأبيات ):
الأمن مبلغ عني مقاما * وقفت : عليه يا أبت السلاما
وملتزما دعوت به إلهي * لقلبي ، والتزمت به التزاما
وقبلت اليمين : يمين ربي * وراعيت المودة والذماما
وكانت قبلة قبلت لكوني * أردت بها التقدم والأماما
فخاطبني اليمين وزاد وجدي * وهيمني فأورثني السقاما
وقد أستند إلى البيت المعمور ، المغشي بأستار النور ، « يدخله - كما قال ( عليه الصلاة والسلام ) - سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا » فهفا إليه الروح ،
وتأخرت التربة ، وهاجت به الأشواق إلى الطواف بالكعبة ، فانبعث الحس من زاوية تربته ، مخيرا ما استقر عنده من الشوق إلى الكعبة:
اني إلى الكعبة الغراء مشتاق * فيها لعشاقها في السر أعلاق
إذا تذكرت أسراري ومشهدها * فيها تحركني للبين أشواق
اللّه يعلم أني لست أذكرها * إلّا وعندي لذاك الذكر أحراق
فالروح تائهة ، والنفس وآلهة * والقلب محترق والدمع مهراق
فلما سمع بذلك الوالد الإسلامي ، والسيد النجدي التهامي ، قال : يا بني أبعد الوصول إلى البيت المعمور ، ووقوفك في مشهد النور ، تحن إلى البيت الذي لا يبور القائم بالتراب وبالصخور ؟
فقلت : يا أيها السيد ( الأميلد ) لا حرج على من حن إلى جنسه ، فإنه اشتاق إلى نفسه ،
الا ترى كيف هفا إلى البيت المعمور ، وهم بالخروج من حبسه ، فهو ينزعج ويمسكه الأجل المسمى ، فهو كمقعد يحمله أعمى ، فلو تخلص من ناشئه ليلته ، وشدة وطأتها ، وتحرر من ثقل الكلمة التي ألقيت عليه ، وعظيم سطوتها ،
فلو وهب السراح : راح ، ولو منح المفتاح : استراح .
يا أبت : كيف لا أشتاق إلى تلك المناسك والأعلام ، وأنت الذي أسستها لعالم الأجسام ، وأعليته للمتثاقلين عن النهوض إلى هذه المشاهد الكرام .
فقال : ظننت أن سرك أنحجب بتربته ، ولهذا حن إلى كعبته ، ثم قال يا أبا رزين ، ويا أيها العاشق المسكين ، المشغوف بالحجارة والطين ، كيف تركت سرك بالكعبة حبيسا ، وصرت في العالم العلوي رئيسا .
فتنفس أبو رزين الصعداء ، وقال : واشوقاه إلى أعلام الهدى ، وعظم هيجانه ( واشتد ) ورق أنينه ،
وأنشد ( هذه الأبيات ):
قل لبيت الحبيب رفقا قليلا * بقليب أمسي عليلا ذليلا
لست أنسى بلابلا بفؤادي * يوم نودي بنا الرحيل الرحيلا
ليت أنى يوم النوى والتداني * للوداع أبقى لديه قتيلا
لست أنسى ببطن بكة يوما * قوله لي : باللّه صبرا جميلا
إن بي مثل ما بكم فلتكن * بي طيب النفس : للسرور وصولا
لم أزل حين بنت عنهم وقاموا * ( اشتكي ) الوجد والجوي والغليلا
وأنادي في كل فج فؤادي * وأقاسي منه عذابا وبيلا
فرق له المولى ، وقال : النزول إلى الكعبة بهذا المسكين الواله أولى .
فقلت : يا أبت إذا مشينا بأخينا هذا أبدا إلى مغناه ، متى يلتذ السر بمعناه .
فقلت : يا بني إذا سريت بفكرك إلى عالم المعاني ، أنحجب حسك عن التلذذ بالمغاني ، وإذا سري حسك في المغنى ، لم ينحجب سرك عن مشاهدة المعنى ، فالبقاء مع الحس أولى في الآخرة والأولى ، وسيبدو لك شرفه عند الرؤية في جنة المنية .
فقلت يا أبت فما تراني صانعا ؟ .
قال : أنزل به الآن إلى البيت بعمرة ، قبل أن يبدو الفجر طالعا ، « فنزلت بهمة مهمة » فوقعت في بيداء مدلهمة ، ليس فيها نبات سوى السمرات ، ولا سكان إلّا الأفاعي والحيات ، قد درست طرقها ، فتاة طارقها ، عديمة الأنس ،
لم يسكنها جن ولا أنس ، وحشة الطبع ، كريهة الوضع ، فقطعتها بجهد وعناء ، ومقاسات وبلاء إلى أن أشرفت على الأعلام ، فلبيت بعمرة يا ذا الجلال والإكرام ، فلما عاينت البيت : هاج القلق ، وعظم الحرق ، وبادرت إلى الحجر الأسود فقبلته ،
وشرعت في الطواف فأكملته ، واستجرت بالمستجار ، والتزمت بالملتزم ، ثم ركعت في المقام ، وشربت من ماء زمزم ، ثم سعيت ، وأحللت ، ثم نهضت إلى السماء ورحلت ،
فلما رآني الخليل قال : مرحبا بالابن الجليل ، هذا الفجر قد بدت دلائله ، وطلعت منازله ، وبدت أعلام الفتح ، من أجل صلاة الصبح ، فتوضأ يا بني من السلسبيل ، فإنه موقوف على أبناء السبيل ، فغسلت يدي ، ولم يكن بها أذى ،
فقال أمين النهر : من ذا ؟
ثم مضمضت فأفرطت ، ثم استنشقت فعبقت ، ثم استنثرت فأوترت ، ثم غسلت وجهي فأربت ، ثم غسلت يدي إلى المرافق فسورت ، ثم مسحت برأسي فتوجت ، ثم مسحت بأذني فكلمت ، ثم غسلت رجلي فدملجت ، ثم أقيمت الصلاة فأقمت ،
فلما أحرمنا أحرمنا ، فلما كبرنا كبرنا ، فلما افتتحنا سرحنا : فلما رفعنا : رفعنا ، فلما سجدنا عبدنا ، فلما جلسنا رأسنا ، فلما سلمنا حكمنا ، فرقيت في منبر من السبج ، وقمت فيه خطيبا في سابع درج ، وأنشدت :
ولما بدا الفجر الذي لاح من قلبي * دعاني ودادي للحديث مع الرب
فطهرت أثوابي ، وطهرت بقعتي * وطهرت أعضائي ، وناديت بالحب
حبيبي تراني عند باب جلالكم * فهل لي إليكم من سبيل ومن قرب
تريد جفوني أن ترى نور وجهكم * فتشهدكم عيني ويرعاكم قلبي
ترفق بمن أضحى قتيلا بحبكم * وبالكلف المشتاق وألوانه الصب
أتاكم من الكون الغريب لترفعوا * بفضلكم عنه مشاهدة الحجب
يناجي الذي في قبله من وجودكم * بما جاء منكم في الصحائف والكتب
فمنوا عليه بالوصال فإنه * أسير هوى الجو : إن كان ذا سحب
فو اللّه مالي راحة دون وجهكم * وما لي شفيع أرتضيه سوى حبي
فاطلع شمس الذات في القلب فانتفى * وجودي ، ولم يثبت سوى عالم القرب
فسلمت من تلك الصلاة مقدما * على عالمي كوني ، وعدت إلى غيبي
الحمد للّه الذي جعل الهوى خير ما تحج إليه قلوب الأولياء :
وكعبة تطوف بها أسرار ألباب الظرفاء ، وجعل الفراق أمر كأس يذاق ، وجعل التلاقي عذب الجنى طيب المذاق .
تجلى اسمه الجميل سبحانه فوله الألباب ، فلما غرقت في بحار حبه أغاق دونه الباب ، وأمر أجناد الهوى : أن يضربوها بسيوف النوى ، فلما طاشت العقول وقيدها الثقيل ، ودعاها داعي الاشتياق ، وحركتها دواعي الأشواق ،
رامت الخروج إليه عشقا ، فلم تستطيع :
فذابت في أماكنها الضيقة ، ومسالكها الوعرة ، وجدا وشوقا فاشتد أنينها ، وطال حزنها وحنينها ، ولم يبق إلّا النفس الخافت ، والإنسان الباهت ، ورثى لها العدو الشامت ، وإذا بها الأرق ، وأقلقها القلق ، وأنضجتها لواعج الحق ، وفتك فيها الفراق بختامه ، وجرعها مضاضة كأس مدامه ، واستولى عليها سلطان البين ، فمحق الأثر والعين ، ونزلت بفنائها عساكر الأسف ، وجردت عليها سيوف التلف ( وأيقنت بالهلاك وعاينت مصارع الهلاك ) وما خافت ألم الموت ، وإنما خافت حسرة الفوت ،
فنادت : يا جميل يا محسان ، يا من قال هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ يا من تيمني بحبه وهيمني بين بعده وقربه ، تجليت فأبليت ، وعشقت فأرقت ، وأعرضت فأمرضت ، فيالتك مرضت فأفرطت فقطعت ، وأيبست فأيست ، وقربت
فذويت ، وبعدت فأبعدت ، وأجلست فآنست ، وأسمعت فأطمعت ، وكلمت فأكلمت ، وخاطبت فأتعبت ، وملكت فهتكت ، وأملت فأهلكت ، واتهمت ففرحت ، وانجدت فأترحت ، ونوهت فولهت ، وزينت فأفتنت ، وألهت فنبهت ، وفوهت فتوهت ، وغلطت فنشطت ، وعزرت فعجزت ، وأسلبت فأغفلت ، وأمسكت فنسكت ، ووسعت فجمعت ، وضيقت ففرقت ، وأحرمت فأحللت ، وأحللت فأحرمت ،
وهذا كله سهل إذا ما أنت أقبلت ، فياليتني لم أخلق ، وإذا خلقت لم أتحقق ، وإذا تجمعت لم أعشق ، وإذا عشقت لم أهجر ، وإذا هجرت لم أقبر ، وإذا قبرت لم أنشر ، وإذا نشرت لم أحشر ، وإذا حشرت لم أعتب ، وإذا عوتبت لم أزجر ، وإذا زجرت لم أطرد ، وإذا طردت لم أسعر في النار التي فيها على الحجب أن أنظر .
فلما سمع ندائي ، وتقلبي في أنواع بلائي بادر الحجاب إلى رفع الحجاب ، وتجلى المراد فنعمت العين والفؤاد .
جعلنا اللّه وإياكم ممّن عشق فلحق ، وصبر فظفر .
ثم رددت وجهي إلى المقاتل المشغول بالمقاتل ، وقلت يا صاحب الغين والرين ، إلى كم تنتهي حقائقك التي أعطاك اللّه في تدبير الكون .
فقال : إلى مائتي ألف حقيقة ، واثنتين وستين ألفا ، وثمانمائة .
ثم نزلت إلى المشتري ، فسألته عن كمية حقائقه التي أودعها اللّه في تدبير خلائقه ، فقال : مائة ألف حقيقة ، وخمسة آلاف ومائة وعشرين .
ثم نزلت إلى المريخ ، فرأيت له ثمانية آلاف وأربعمائة ، وثمانية وأربعين رقيقة .
ثم نزلت إلى الشمس ، فرأيت لها ثمانية آلاف ، وسبعمائة وستا وستين رقيقة ، ونزلت إلى الزهرة فرأيت لها ثمانية آلاف وسبعمائة ( وخمسا ) وستين رقيقة .
وكذلك عطارد مثل الزهرة .
ونزلت إلى القمر فرأيت له ستمائة واثنين وسبعين رقيقة .
ثم نزلت على بعض الرقائق الشمسية في الصورة الدحيية ، إلى أن أستويت
على الأرض المدحية ، وقد عرفت ترتيب حركات الأفلاك ، ووقفت على مراتب الأملاك ، وتحققت بما في القوى الروحانيات من الانفعالات الكونيات ، فسرحت في ميدان معارف النسب ، وفزت بمدارك وضعية السبب ،
وعلمت أن اللّه قد رتب الوجود أحسن ترتيب ، وحصره في تحليل وتركيب ، وحكم عليه بالبقاء فلا ينفد ، وعلى عالمه بالسعادة والشقاء ، فلا يبعد .
أسعدنا اللّه وإياكم بما أسعد به أولياؤه وأحباؤه .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق