السبت، 29 يونيو 2019

الفقرة الثالثة الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثالثة الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي

الفقرة الثالثة الجزء الأول .السفر الأول فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية .موسوعة فتوح الكلم فى شروح فصوص الحكم الشيخ الأكبر ابن العربي


الفقرة الثالثة :الجزء الأول
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص شرح الشيخ عبد الغني النابلسي 1134 هـ  :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له.
وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
(فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه) من غير أمر آخر (ما هي مثل رؤيته نفسه) بنفسه في أمر آخر غير نفسه
(يكون) ذلك الأمر الآخر (له كالمرآة) من الزجاج مثلا يقابلها بنفسه
(فإنه يظهر له نفسه) فيها (في صورة يعطيها المحل المنظور فيه)، وهو المرأة الصغيرة مثلا .فيها صورة وجه الناظر صغيرة . والكبيرة صورة وجه الناظر فيها كبيرة . والطويلة طويلة وهكذا
(مما)، أي من الشأن والحال الذي (لم يكن يظهر له)، أي لذلك الناظر
(من غير وجود هذا المحل) المنظور فيه
(ولا تجليه)، أي ظهور ذلك الناظر بنفسه (له)، أي لذلك المحل إذ لولا تجلي الناظر بنفسه للمراة المنظور فيها
ولولا وجود المراة المنظور فيها، أيضا لما ظهرت هذه الصورة التي لوجه الناظر في المرآة على حسب كبر المرآة وصغرها ونحو ذلك.
ومن رأى صورة وجهه في المرآة لا يرى في ذلك الوقت جرم المرأة بل يحتجب عنه جرمها بصورة وجهه فيها وهو متحقق بأن وجهه فيها.
لم يحل في المرآة ولا حلت المرأة فيه.
ولا اتحد وجهه مع الصورة التي في المرآة.
وليست الصورة التي في المرآة غير صورة وجهه.
ولا تشابه صورة وجهه من جهة كونها معدومة الحقيقة ظاهرة العين وصورة وجهه محققة.
ولا يمكن أن تكون صورة المرأة على خلاف صورة وجهه.
بل جميع ما هو مصور في المرأة هو صورة ما عليه وجهه مع أنها على خلاف صورة وجهه من جهة أن يمينها شمال وجهه وبالعكس.
(وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
وقد قال وجهه لها قولا بلا حرف ولا صوت کن فتكونت على طبق ما أراد منها من غير معالجة ولا مماسة، إلى غير ذلك من العبر و بمرآة غير مجلوة مستعدة للجلاء. قال : بحسب الأول
شرح فصوص الحكم مصطفى سليمان بالي زاده الحنفي أفندي 1069 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له.
وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
بقوله: (فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي)، أي في الحكم (مثل رؤية نفسه) وإنما قلنا في الحكم إذ هما متحدان في حقيقة الرؤيا فلا معنى لنفي المثلية مطلقة بل في الحكم(في أمر آخر يكون له كالمرآة) .
وإنما لم يقل ما هي عين رؤية نفسه إيذانا بعينيتهما بحسب الأحدية لجواز سلب مثلية الشيء عن نفسه.
يقال الشيء ليس مثل نفسه وإنما لم يقل في المرأة .
لأن عدم المماثلة في المرأة الحسية لم يشتبه على أحد من الناس وإنما الاشتباه في مثلها.
فلذلك قال المرأة ليعم الدليل (فإنه) الضمير للشأن (يظهر له) أي للشيء (نفسه في صورة بعطيها) أي يظهره.
(المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له) أي للشيء (من غير وجود هذا المحل) كما قال وقد كان الحق أوجد العالم (ولا تجليه) أي من غير تجلي المحل له أي للشيء الناظر.
ومعنى تجلي المحل ظهوره إليه على الجلاء كما قال فكان آدم عين جلاء تلك المرآة.
(وقد كان الحق أوجد العالم كله) من العلم إلى العين قبل إيجاد آدم (وجود شبح مسوی لا روح فيه) مثل الطين في حق آدم والنطفة في حق أولاده وهو ظلمة وخلق محض لا يهتدي به إلى شيء وإنما أوجده أولا على هذا الطريق ثم جلي بآدم لأن المرآة لا تكون غير مجلوه إلا من كثيف ظلماني ولطيف نوراني (فكان) العالم بدون آدم (كمرآة غير مجلوة) .

شرح فصوص الحكم عفيف الدين سليمان ابن علي التلمساني 690 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
قوله: "فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له في نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له."
قلتالتي تظهر أحكامها بظهور المقدورات ولا شك أن ظهور ما بالقوة إلى الفعل أكمل من بقائه في القوة وكمال الجناب المقدس في قوته ما لا يتناهى من الأكملیات فيقتضي الحال ظهورها فهي تظهر في الأعيان فيراها تعالى رؤية منزهة لكن من حضرة الحسیات وقد أودع تعالى جميع معاني الأسماء الكونية في آدم مرتبطة بالأسماء الإلهية وكلا الأمرين كان سانحا له في سر علمه الأقدس فأظهره في مرآة آدم، عليه السلام، وتجلي لتلك المرآة فأبدي فيها معاني المتجلي عليها، جل جلاله فقد ظهر سره إليه، وباقي الكلام ظاهر.
قوله: "وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوي لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة".
قلت: معناه أن الحق تعالی اقتطع قطعة من نوره بسيطة لاصورة فيها وسماها القلم الأعلى وهي، والله أعلم، التي تسميها الحكماء «العقل الأول» الذي زعموا أنه أول صادر عنه تعالی وسماه شبحا للعالم لأنه مبدأ العالم.
ومعنى لا روح فيه، أنه تعين أول ومن شأن القدرة الإلهية أن كل ما استعد لشيء تعلق به من الصور، ما هو روح له بحسب استعداده.

شرح فصوص الحكم الشيخ مؤيد الدين الجندي 691 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
قال رضي الله عنه : " فإنّ رؤية الشيء نفسه في نفسه ليست مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة فإنّه يظهر له نفسه" .
يعني في المرآة "في صورة يعطيها المحلّ المنظور فيه ، ممّا لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحلّ ولا تجلَّيه له".
قال العبد أيّده الله : اعلم شرح الله صدرك بنوره ، وأسرّ إلى سرّك بسروره :
أنّ الحقّ الواجب الوجود في كماله الذاتي وغناه الأحديّ يرى ذاته بذاته رؤية ذاتية غير زائدة على ذاته ولا متميّزة عنها ، لا في التعقّل ولا في الواقع .
ويرى أسماءه وصفاته ونعوته وتجلَّياته أيضا كذلك نسبا ذاتية لها وشئونا عينيّة غيبية مستهلكة الأحكام تحت قهر الأحدية .
غير ظاهرة الآثار ولا متميّزة الأعيان بعضها عن البعض في حيطة  جمال الصمدية .
وكينونته  فيها إنّما هي ككينونة النصفية والثلثيّة والربعية والخمسية وغيرها من النسب في الواحد فإنّ الواحد هو النصف والثلث والربع والخمس كما مرّ مرارا.
فهو من حيث صلاحيته لاتّصاف هذه النسب إليه يصحّ إطلاق أسمائها عليه ككون المسمّى بالأسماء المحصاة تمام المائة .
والواحد في ذاته ومن حيث إنّ واحديّته غير زائدة عليه مع قطع النظر عن الاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة لا نصف ولا ثلث ولا ربع ولا خمس .
فكذلك الحقّ من حيث ذاته الأحدية لا ظهور فيه لنسبة من هذه النسب لكنّه إن شاء أن يظهرها من حيث كماله الأسمائي ، أظهرها في مظاهرها ومجاليها ، ونظر إليها في منصّاتها ومرائيها فإنّ ثبوت الكمال الذاتي للحقّ من وجهين :
أحدهما : كماله من حيث الذات كما مرّ وهو عبارة عن ثبوت وجودها منها لا من غيرها ، فهي عينه في وجودها وبقائها ودوامها عن سواها ، فمهما تعلَّقت هذه النسب أو أضيفت أو شوهدت في الذات من حيث الكمال الذاتي ، فإنّها تشهد وتعلم أحدية لكون الحقائق المعقولة في كل مرتبة بحسبها .
والكمال الثاني : هو كمال نفسي للحق تفصيلي من حيث الأسماء الحسنى وصورها ، فهو كمال صورة الحق ، وذلك يكون بظهور آثار النسب المرتبيّة والحقائق الأسمائية ، وتعود أحكامها في عوالمها ومظاهرها .
وهذا الكمال الثاني ثابت للحق من حيث مرتبته الذاتية التي يقتضيها لذات الألوهية ، وهي نسبة كلَّية جامعة لجميع النسب الأسمائية .
فشاء الحقّ من حيث أسمائه الحسنى وتجلَّياته العليا تعيّناته القصوى ، فتجلَّت تجلَّيا جمعيا ، وانبعثت انبعاثا حسبيّا إلى المظهر الكلَّي والكون الجامع الأصلي الحاصر للأمر الإلهي فامتدّت رقائق النسب إلى متعلَّقاتها واشرأبّت حقائق الوجود إلى متعلَّقاتها ، فطلبت الربوبية المربوب ، والإلهية المألوه المحبوب .
فقامت بظاهرياتها مظاهر لباطنها ، وبشهادتها مجالي لغيبها ، فهي الظاهرة بمظاهر هي عينها ، والناظرة من مناظر هي عينها ، وفيها أينها ، فظهرت الحقائق الوجوبية والنسب التي اقتضتها  الربوبية في متعلَّقاتها ومظاهرها ومجاليها.
وزهرت أنوار التجلَّيات في مراتبها ومرائيها ، فرأت أنفسها متمايزة الأعيان والآثار ، متغايرة الظلم والأنوار ، وتعيّنت أحكامها ولوازمها ممتازة ، وتبيّنت عوارضها ولواحقها إلى أحيازها منحازة .
فأعيان الموجودات العلوية وأشخاص المخلوقات السفلية مظاهر النسب الوجوبية ومجالي تعيّنات أسماء الربوبية ، فيرى الحقّ فيها حقائق الأسماء وأعيان الاعتلاء مستوية على عروشها ، ومحتوية على جنودها وجيوشها ، فما منّا إلَّا له من الحق مقام معلوم ، ومن الوجود رزق مقسوم ، فانظر الفرق بين الرؤيتين والشهودين ، والتفاصيل بين الكمالين والوجودين .
ثمّ اعلم : أنّ المناظر والمجالي والمظاهر والمرائي التي يرى الحقّ فيها نفسه إنّ لم تكن لها حيثيّة خصيصة واستعداد معيّن تمتاز بها عن الظاهر فيها ، كان الظاهر الحقّ فيها غير متغيّر عن عينه .
وإن لم تكن كذلك ، ظهرت الصورة بحسب المحلّ كظهور الحق في مرتبة من المراتب جزئية كانت أو كلَّية إنّما يكون بحسب المحلّ .
ولا يكون ذلك المظهر بحسب الحق فإنّ ظهور الحق مثلا في العالم الروحاني ليس كظهوره في العالم الطبيعي .
فإنّه في الأوّل بسيط ، نوري ، فعلي ، نزيه ، شريف ، وحداني .
وفي الثاني ظهوره على خلاف ذلك من التركيب ، والظلمة ، والانفعال ، والخسّة ، والكثرة ، والكدر.
ومن المظاهر ما ليس له حسب معيّن وحسبيّة يوجب انصباغ الظاهر فيه بصبغه ، ولا يكسب الحقّ المتجلَّي فيه أثرا من خصوص وصفه وصفة عينه بحيث يخرجه عن طهارته الأصلية ومقتضى حقيقته الكلَّية كالمظاهر الإنسانية الكمالية الكلَّية البرزخية ليست لها حسبيّة تخرج الحقّ عن مقتضى حقيقته لما بيّنّا أنّ البرازخ ما لها حقيقة تمتاز بها عن الطرفين.
وهذا هو سرّ الإمامة ولا يصل كلّ واحد من الطرفين إلَّا ما تقتضيه حقيقته ، بخلاف المظاهر البرزخية فإنّها تقبل ما يصلح للجمعية .
وكلّ موجود من العوالم الأمرية الروحانية والأعيان الجسمانية الملكية مظهر ومرآة لاسم مخصوص وصفة جزئية أو كلَّية من الأسماء والصفات الإلهية والحقائق الذاتية الكلَّية .
وإن كان لسائر الأسماء في ذلك مدخل بحكم التتبّع كالطالع من الفلك يقتضي لصاحبه خصوص حكم مع شركة سائر البروج .
وليس شيء منها علوا وسفلا مظهرا تامّا كاملا للذات المطلقة الكاملة الجزء الجزئية في حقيقته ، وإلَّا لانقلبت الحقائق وخرجت عن ذاتياتها ، فصار المطلق مقيّدا وبالعكس ، فظهور الحق بالوجود فيها لا يكون إلَّا بقدر قابليته واستعداده .
وهو سبحانه وتعالى يقتضي لذاته أن يظهر بالكلّ ويظهر به الكلّ ظهورا أحديا جميعا ، وظهوره في الكلّ بحسب الكلّ ، فلا يظهر الحق لنفسه بدون مظهر منها بما يقتضيه المظهر ، بل بالمظهر .
فهذا معنى قوله : " فإنّه يظهر لنفسه في صورة يعطيها المحلّ ممّا لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحلّ " .
كما أنّ الناظر في المرآة المتشكَّلة بشكل خاصّ من الطول والتدوير وغيرهما لا تظهر صورته بذلك إلَّا بحسب المحلّ لا بحسب الذات خارج المرآة .
فافهم من هذا المثال ظهور الحق في كلّ شيء بحسبه " وَلِلَّه ِ الْمَثَلُ الأَعْلى " وهاهنا أسرار " وَالله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ "  .
قال رضي الله عنه : ( وقد كان الحقّ سبحانه أوجد العالم  وجود شبح مسوّى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوّة ) .
يعني رضي الله عنه : أنّ المراد المطلوب والعلَّة الغائيّة المقصودة من إيجاد العالم ظهور الحق وإظهاره نفسه لنفسه ظهورا وإظهارا فعليا تفصيليا كما اقتضت ذاته المطلقة تكميلا لمرتبتي الجمع والفرقان ، والغيب والشهادة ، والإخفاء والإعلان ، فكمال الجلاء والاستجلاء وإحاطة الشهود بالغيب والشهادة هو السرّ المطلوب والعلَّة الغائيّة من العالم .
فإذا لم يحصل كمال الظهور والإظهار على النحو المطلوب ، لم يكن له سرّ وروح ، والعالم كلَّه أعلاه وأسفله ، وأمره وخلقه ، ظلمانيته ونورانيته كما قلنا مظاهر الأسماء الإلهية ، فما من موجود منها إلَّا والغالب على وجوده حكم بعض الأسماء على سائرها .
فذلك البعض سنده وإليه مستنده ، والحق من حيث ذلك الاسم ربّه ومعبوده ، ومن حضرته فاض عليه وجوده وهو عند التجلَّي مشهوده .
فظهور الحق وإن وجد قبل الكون الجامع والمظهر الكامل والمجلى الشامل نحوا من الظهور تفصيليا فرقانيا ، ولكنّ المطلوب بالقصد الأوّل هو كمال الجلاء والاستجلاء ، فحيث لم يوجد كمال الظهور في المظهر الأكمل ، لم يحصل المراد المطلوب من إيجاد العالم لعدم قابلية العالم بدون الإنسان لذلك ، وقصوره عن كمال مظهريته تعالى ذاتا وصورة جمعا وتفصيلا ، ظاهرا وباطنا ، فكان كمرآة غير مجلوّة ، أي غير قابلة لروح التجلَّي المطلوب والمراد المقصود المرغوب ، فكان العالم بمنزلة شبح مسوّى لا روح فيه لأنّ الروح إنّما يتعيّن في المحلّ بعد التسوية .
كما قال تعالى مقدّما للتسوية على النفخ في قوله : " فَإِذا سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ من رُوحِي ".
فالتسوية عبارة عن حصول القابلية في المحلّ للنفخ الإلهي ، وهو عبارة عن التوجّه النفسي الرحماني بالفيض الوجودي والنور الجودي.
شرح فصوص الحكم الشيخ عبد الرزاق القاشاني 730 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
قوله ( فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ) تعليل للمشيئة المذكورة يتضمن الجواب عن اعتراض مقدر .
وهو أن الله تعالى أزلى الذات والصفات ، وهو بصير في الأزل بذاته وغيره : كما قال أمير المؤمنين على رضى الله عنه :
بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، فلا يحتاج في رؤية عينه إلى مظهر كوجود العالم يرى عينه فيه ، فأجاب أن بين الرؤيتين فرقا بينا وليست الرؤية الأولى مثل الثانية وبين الفرق
بقوله ( فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له )
وهي تعليل لنفى المماثلة بين الرؤيتين والضمير للشأن والجملة خبره أو للحق أي أن الحق يظهر له عينه في صورة المرآة وهي المحل المنظور فيه من وجه لم يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه لنفسه فيه ، فإن الظهور في المحل رؤية عينية منضمة إلى علمية وفي غير المحل رؤية علمية فقط .
كما أن تخيل الإنسان صورة حسنة جميلة في نفسه لا يوجب له من الاهتزاز والبهجة ما توجب مشاهدة لها ورؤيته إياها .
قوله ( وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه وكان كمرآة غير مجلوة ) جملة اعتراضية بين الشرط وجوابه والشرط مشيئته لرؤية أعيان الأسماء أو عينه في كون جامع ، والأسماء مقتضية لوجود العالم اقتضاء كل اسم جزءا منه ، فقد كان العالم موجدا باقتضائها له قبل وجود الإنسان الذي هو الكون الجامع .
لأن كل اسم يطلب بانفراده ظهور ما اشتمل عليه وهو الذات مع صفة ما : أي وجودا مخصوصا بصفة ، والاسم الآخر وجودا مخصوصا بصفة أخرى ، فلم يكن لشيء من الأسماء اقتضاء وجود اتحد به جميع الصفات إذ ليس لأحد من الأسماء أحدية الجمع بين الصفات ، فلم يكن للعالم مظهرية أحدية جميع الوجود ولذلك شبهه قبل وجود الإنسان فيه بأمرين شبح مسوى لا روح فيه أو مرآة غير مجلوة ، إذ لم يظهر فيه وجه الله بل وجوه أسمائه ، فوجود شبح نصب على المصدر أي أوجده وجودا مثل وجود شبح مسوى لا روح فيه
مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم القَيْصَري 751هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
ويؤيد هذا المعنى قوله: (فإن رؤية الشئ نفسه بنفسه، ما هي مثل رؤيته نفسه في أمرآخر يكون له كالمرآة، فإنه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له هذا).
تعليل للمشية وإيماء إلى سؤالمقدر، وهو أن الله بصير قبل أن يوجد العالم الإنساني، فكيف شاء ذلك؟ فأجاببأنه ليس رؤية الشئ نفسه بنفسه في نفسه، كرؤية نفسه في شئ آخر يكون لهذلك الشئ مثل المرآة. وذلك لأن المرآة لها خصوصية في ظهور عين ذلكالشئ، وتلك الخصوصية لا يحصل بدون تلك المرآة، ولا بدون تجلى ذلك الشئ لها، كاهتزاز النفس والتذاذها عند مشاهدة الإنسان صورته الجميلة في المرآة الذي هو غير حاصل له عند تصوره لها.
وكظهور الصورة المستطيلة في المرآة المستديرة مستديرة، والصورة المستديرة في المرآة المستطيلة مستطيلة، وكظهورالصورة الواحدة في المرايا المتعددة متعددة، وأمثال ذلك.
لا يقال، حينئذ يلزم أن يكون الحق مستكملا بغيره، لأن هذا الشئ الذي هو له كالمرآة من جملة لوازم ذاته ومظاهرها التي ليست غيره مطلقا، بل من وجه عينه ومن آخر غيره، كما مر في الفصل الثالث من أن الأعيان الثابتة أيضا عين الحق ومظاهره العلمية.
فلا يكون مستكملا بالغير وإلى هذا المعنى أشاربقوله: (يكون له كالمرآة) ولم يقل: في المرآة. لأن المرآة غير الناظر فيها من حيث تعيناتهما المانعان عن أن يكون كل واحد منهما عين الآخر. وليس هنا كذلك، لأن التعين الذاتي أصل جميع التعينات التي في المظاهر فلا ينافيها  
وقوله: (في أمر آخر) أي، بحسب الصورة لا بالحقيقة.
وقوله: (فإنه يظهر) تعليل عدمالمماثلة. والضمير للشأن تفسره الجملةالتي بعده.
و (من) في (مما) للبيان. أي، تظهر له نفسه في صورة من الصور التي لم تكن تظهر للرائي بلا وجود هذا المحل ولا بقابلة له.
ولما كان الرائي ههنا هوالحق، عبر عن التقابل بالتجلي. فضمير (تجليه) للحق، وضمير (له) للمحل. وقرأ بعضهم: (ولا تجلية) بالتاء على وزن تفعلة. أي، منغير وجود هذا المحل ومن غير تجليته للمحل من الجلاء.
قوله: (وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان) . أي العالم "كمرآة غير مجلوة."

خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم الشيخ علاء الدين المهائمي 835 هـ:
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
ثم أشار إلى تعليل ذلك بقوله: (فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه، في أمر آخر يكون له كالمرآة؛ فإنه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه، مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل، ولا تجليه له)
أي: إنما شاء الحق من حيث أسمائه الحسنى، أن يرى أعيانها أو عينه في الأكوان الجزئية، أو في كون جامع؛ لأنه تعالى، وإن كان يرى ذاته وأسمائه وصفاته في الأزل .
فتلك الرؤية، وإن كانت كما له يستغني بها عن رؤية أخرى، فليست مثل رؤيته ذاته وأسمائه وصفاته في الأكوان الجزئية متفرقة، أو في الكون الجامع مجتمعة، فإن الرؤية فيها تختلف باختلاف المظاهر، كما تختلف صورة أحدنا في المرآة استقامة، واعوجاجا، واستدارة، واستطالة.
وهي كمال آخر الظهورها مستغن عنه بالنظر إلى الذات والأسماء والصفات من حيث تعلقها بالذات؛ فهي غیر مستكملة بها في أنفسها بل في ظهوراتها، ومن شأن الكامل التكميل.
على أنه يجوز أن يقال: إنها كمال الأسماء من حيث تعلقها بالأكوان، وظهور صورها وآثارها، وهي وإن كانت كاملة أزلية؛ ففيها جهة إمكان من حيث إنها غير قائمة بأنفسها بل بالذات، وهي باعتبار ذلك تطلب الكمالات الإمكانية؛ فافهم، فإنه مزلة للقدم.
ثم أشار الى سبب ظهوره في الكون الجامع كآدم بعد ظهوره في العالم.
فقال: (وقد كان الحق) قبل خلق آدم (أوجد العالم كله وجود شبح مستو، لا روح فيه) "لفقد عين الإنسان الذي هو إنسان العين، والذي لم يكن شيئا مذكورا".
أما كونه كالشبح المستوى فباعتبار انتظام بعض أجزائه ببعض.
وإفاضة الأرواح الغير الإنسانية على الأجسام مثل انتظام أمر المركبات العنصرية مستوية المزاج، وإفاضة الأرواح المناسبة لها، وأما كونه لا روح فيه مع ذلك فباعتبار عدم ما هو المقصود بالذات من خلقه، وهو الكون الجامع لظهورات الأسماء والصفات على نهج الاجتماع كما كان في الذات.
وإنما أوجد الحق العالم قبل كذلك؛ لأن الجمعية تفتقر إلى الأجزاء، فأوجد أجزاء العالم؛ ليكون كالأجزاء لتلك الجمعية.
ويكون العالم كالبدن الجامع للأجزاء، وتكون الجمعية بمنزلة الروح للبدن، إذ هذه الجمعية هي المقصودة؛ لأن المعرفة التامة المقصودة من خلق العالم لا تحصل بدونها، إذ لا يعرف أحد ما ليس فيه.
(فكان) العالم قبل آدم کمرآة غير مجلوة، أما كونه كالمرآة فلشموله على صور الأسماء بحيث تصح إفاضة روح الجمعية عليها شمول المرأة على الأجزاء القابلة لفيضان صور الأشياء عليها، وأما كونه
(کمرآة غير مجلوة )؛ فلأنه وإن ظهر في بعض أجزائه الأرواح المناسبة لها لم تظهر فيه الروح المقصود بالذات الذي هو صورة الجمعية الإلهية.
"قال رضي الله عنه : غير مجلوة أراد بعدم جلائها احتجابها بذاتها، فلا ترى نفسها إلا بعينها لا بعين الرب ، فأوجد آدم على صورة الكون: أي جميع الكائنات غيبا باطنا وظاهرا شهادة؛ ليقابل بغيبه الغيب، وبشهادته الشهادة ليتجلى له بجميع الأسماء، وينظر للكون ببصر وبصيرة الله فافهم."

شرح فصوص الحكم الشيخ صائن الدين علي ابن محمد التركة 835 هـ :
قال الشيخ ابن العربي الطائي الحاتمي:  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
ثمّ إنّك قد عرفت أنّ للكتاب المبصر اختصاصا بطرف الولاية ، كما أنّ للكلام المسموع بطرف النبوّة ، فلذلك عند الإفصاح بغاية المشيّئة صرح بالأوّل وأبهم في الثاني وفاء بما هو مقتضى منصبه ، ومن هاهنا تراه قد ظهر له هذا الفيض المذكور من الخاتم في مبشّرته مرئيّا بصورة الكتاب في يده ، وما ظهر مسموعا بصورة الكلام في فمه .
وها هنا تلويح لا بدّ من التنبيه عليه : وذلك أنّه كأنّك قد نبّهت أنّ الوحدة الحقيقيّة من حيث هي هي إنّما تظهر في الكثرة بحسب غلبة أحكامها ، وبيّن أنّ نهاية أمر الكثرة وغاية سلطان التفرقة في الاثنين ما لم يحصل لهما ثالث يجمعهما بالنسبة الامتزاجيّة التي بينهما ،وما سوى الاثنتين من المراتب لا يخلو عن تلك النسبة أصلا .
ثمّ إنّه من تفطَّن لهذا الأصل لا يخفى عليه وجه اشتمال عباراته هاهنا على الوجهين المتقابلين ، وكذلك انطواء الآية الكريمة المفصحة عن التوحيد حقّه على المتقابلين مرّة بعد أخرى .
وما من آية دالة ولا كلمة كاشفة عن التوحيد إلَّا وفيها وجه من وجوه الكثرة ، وكلَّما كان ذلك الوجه فيها أكمل وأتمّ ، كان دلالتها عليه أظهر ، فلا تغفل عن وجه ما نحن فيه من احتمال كلامه للوجهين.
     
ثمّ أنّ ظهور السرّ وإن كان بالأخرة للحقّ ، لكن أوّل ما يظهر إنّما هو للعبد الكائن بحسب تقرّبه إليه بقرب النوافل والفرائض ، ولا يبعد أن يكون استعمال الظهور هاهنا ب « إلى » إيماء إليه .
نكتة حكميّة : الكون الجامع حاصر للأمر إذ قد تبيّن أنّ من الخواصّ اللازمة البيّنة للهويّة المطلقة جمعيّة الأضداد .
وتعانق الأطراف حسبما عرفت فالذي يصلح لأن يظهر به عينها لا بدّ وأن يكون له صورة من تلك الجمعيّة، أشار إلى ذلك بأن الكون الجامع حاصر للأمر الذي لا يبلغه الإحصاء، فهو الجامع بين الإحصاء وعدمه، وهذا من صور سرّه الذي يظهر به .
ثمّ إذ قد احتاج أمر ظهور السرّ المذكور بالكون الجامع لما فيه من الإجمال لفظا والخفاء معنى إلى زيادة من البيان والتوضيح، صوّره في صورة التمثيل ببيان يندفع به ما يمكن أن يورد ها هنا  وهو :
«إنّ الحقّ في التجلَّي الأوّل شاهد لعينه وجميع أسمائه ومراتبه بنفسه ، فلا يحتاج في رؤيته ذلك إلى الغير ، وبعد تسليم ذلك ، فإنّ في القلم الأعلى والعقل الأوّل من الجمعيّة والإظهار ما يغنيه عن الكون الجامع» ؟

بقوله : (فإنّ رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة) وتلخيص ذلك أنّ الرؤية التي هي غاية المشيّة والأمر الإيجادي إنّما هي الرؤية الخاصّة التي عند تعاكس صورة الرائي من القابل المقابل النازل منزلة المرآة له (فإنّه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه ،مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ، ولا تجلية له) ، وذلك أنّ للمرآة خصوصيّات زائدة على صورة الرائي من حيث هي هي ، مختفية عنه بدونها ، فهي سرّه الذي يظهر بها ، وذلك مما لم يمكن أن يظهر له بدون وجود محلّ هو بمنزلة المادّة لهذا الأمر ، وتجلَّيه له هو بمنزلة الصورة .
فالأوّل هو العالم كلَّه ، والثاني هو آدم نفسه ، فاندفع حينئذ ما ذكر .
أمّا الأوّل فظاهر ، لعدم المغايرة هناك .
وأمّا الثاني فلأنّ القلم لكونه صورة العلم الإجمالي - المكنى عنه بـ «نون» يجب مطابقته للعلم التابع للمعلوم ، فالصورة التي فيه ليست ممّا لم يكن بدونه يعطيها ، فإنّ سلطنة الإعطاء مختصّة بأصل القابل وصميم هيولاه ، فلا يكون له منزلة المرآة ذات الخصوصيّات والأسرار - على ما ستطَّلع عليها .
أمّا الأوّل : فهو أنّ الوحدة الحقيقيّة على ما عرفت غير مرّة آبية عن ثنويّة التقابل ، فكلَّما كانت جهات الكثرة في مظهرها أشمل ، كان ظهورها فيه أتمّ ، ووجهها فيه أجمع .
وأمّا الثاني فهو أنّ صورة الجمع بين طرفي الإجمال من النون وتفصيله ، هي النقطة ، كما أنّ القلم هو الألف ، وهذا يناسب ثاني الاحتمالين . 
فقوله : « ولا تجلية له » تفعلة على هذا التقدير ، ويمكن أن يقرء : « تجليه » بالإضافة إلى فاعله ، والأول أوفق لسياق الكلام على ما لا يخفى .
وقوله ( وقد كان الحقّ أوجد العالم كلَّه ) جملة حاليّة ، لا اعتراضيّة فإنها مبيّنة لأمر الكون المذكور بأنّه موجود بمادّته ، فلا بدّ مما يجعله بالفعل ، وهي الصورة ، وهو أوّل الأمرين الموقوف عليهما ظهور السرّ .
والتعبير عنه بالماضي إشارة إلى ما للمادّة من التقدّم الذاتي ، وأنّ الفاعل عند تحصيل هذه الغاية الكماليّة وإظهارها مشغول عن جعل المادّة وإيجادها إلى تصويرها بالفعل ، فلذلك ما نسب الإيجاد بإطلاقه إلى العالم بل خصّصه و من ها هنا اختصّ مباشرة اليد بآدم في قوله : "خمّرت طينة آدم بيدي" .
ثمّ إنّه كما أنّ لآدم كمالا بحسب الإظهار وله منزلة التجلية للمرآة ، له الكمال بحسب الظهور أيضا ، وله منزلة الروح في الشبح .
فقوله : ( وجود شبح مسوّى لا روح فيه ) إشارة إلى الثاني "آدم".

وقوله : ( فكان كمرآة غير مجلوّة ) إلى الأوّل "العالم كله" تطبيقا لصورة مسألته بالمثال مادّة وصورة .
ثمّ لمّا بيّن وجود المادّة وتقدّمها الذاتي موميا إلى أنّها من حيث هو قابل فارغ عنه الفاعل ، غير محتاج هو إليه كما ستطلع على تحقيقه أشار إلى بيان نسبة الإيجاد من الفاعل ، والقبول من القابل بحيث ينطبق على ما ذهب إليه من التوحيد الذاتي ، ويوافق ما أشار إليه في صدر الفصّ من تسوية العبارتين في مادة الشبح المسوّى ، الغالب عليها قهرمان الكثرة .

شرح الجامي للملا عبد الرحمن ابن أحمد ابن محمد الجامي 898 هـ :
قوله رضي الله عنه :  (فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له. وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة.)
قوله : "فإن رؤية الشي ء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرأة، فإنه يظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه مما لم يكن يظهر له "
أعلم أن رؤية الحق سبحانه أعيان الأسماء في الكون الجامع ينبغي أن يكون غير العلم بها.
فإن العلم بها ثابت أزلاً وأبداً لا احتياج فيه إلى مظهر ولا سبق مشيئة،
فالمراد بها : إما العلم بعد الوجود فيكون التغير في المعلوم لا في العلم ، فالعلم بالشيء قبل وجوده علم وبعد وجوده رؤية وشهود، وليس فيه مزيد فائدة.
وأما الإبصار إما نظراً إلى مقام الجمع على أن يثبت البصر للحق سبحانه مغايراً لنسبة العلم سواء كانت صفة وجودية أو نسبة اعتبارية.
فالشيء قبل وجوده معلوم وبعد وجوده مرئي مبصر،فإن الشيء ما لم يوجد لم يبصر.
وإما نظراً إلى مقام الفرق فتكون الأشياء مرئية للحق سبحانه باعتبار ظهوره فی المظاهر فیکون مرائیاً فی المظاهر، کما آنه مرئی فیها .
فان قلت : آعيان الأسماء أمور معقولة فكيف تتعقل الرؤية لها.
قلت ذلك إنما هو باعتبار اتحاد المظاهر بالمظهر .
فإن قلت: بعض المظاهر أيضاً غير مدركة بالبصر كالمجردات.
قلت : إذا كان البصر مستنداً إلى مقام الجمع فيمكن أن لا يكون مشروطاً بأن يكون المبصر مادياً.
وإذا كان مستنداً إلى مقام الفرق فيمكن أن يكون المراد به قوة العلم والحضور سواء كان بالبصر أو البصيرة .
فإن قلت : أعيان بعض الأسماء وآثارها إنما تدرك بسائر القوى کالسمع واللمس  والذوق والشام والقوى الباطنة ، فما وجه التخصيص بالرزية .
قلت : المراد بالرؤية : إما الإحساس مطلقاً بل الإدراك بعد الوجود أو ترك ما عداها، لأنه يعرف بالمقايسة.
ولما كان القائل أن يقول : إن الحق سبحانه كان يعلم الأسماء وأعيانها ويراها ويشاهدها أزلاً في مجلى التعيين الأوّل والثاني من غير وجود الكون الجامع في الخارج ، فأي حاجة إلى وجوده علل المشيشة.
دفعاً لذلك بقوله: (فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه) من غير توسط ظهوره في المظهر (ما هي) أي تلك الرؤية (مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون) هذا الأمر.
أي كذلك الشيء (كالمرآة) لانطباع صورته فيه (فإنه)، أي ذلك الشیء حین یظهر فی المظهر (تظهر له نفسه فی صورة یعطیها المحل المنظور فیه) بحسب قابليته لتجليه(مما لم يكن)، أي من صورة لم تكن (يظهر) هذه الصورة (له)، أي لذلك "من غير وجود هذا المحل و لا تجليه له."
"و قد كان الحق سبحانه أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غير مجلوة."
الشيء بنفسه (من غير وجود هذا المحل) المنظور فيه (ولا تجليه)، أي تجلي ذلك الشيء (له) أي لهذا المحلي .
ولما كان الرائي ههنا هو الحق سبحانه عبر عن التقابل بالتجلي .
وقرأ بعضهم : ولا تجلية بالتاء على وزن تفعلة، أي ومن غير تجلية للمحل من الجلاء.
ثم إنه كذلك القائل أن يعود ويقول : كما كان الحق سبحانه يعلم نفسه بدون الكون الجامع كذلك كان تعليمها ما يلحقها عند ظهورها فيه، فأي حاجة إلى وجوده فعلة المشيئة في الحفيقة هي الرؤية المغايرة للعلم على أي وجه كانت لا غير.
لا يقال : يلزم من ذلك استکماله سبحانه بغیره.
لانه یقال : هذا الشيء له کالمرآة من مظاهره التي لیست غیره مطلقاً بل من وجه لا يخفى ما فى هذا الجواب ، فإن مرآئية هذا الشىء إنما هى من جهة المغایرة ، فیلزم الاستکمال به من حیث إنه غیر و يعسر لا المحذور . فالحق في الجواب أن يقال : إن للحق سبحانه كمالين : ذاتياً وإسمياً.
وامتناع استكماله بالغير إنما هو في الکمال ألذاتي لا الأسمائي.
فإن ظهور أيام لأسماء تمتنع بدون ان مظاهر الکونیة، ولما بین رضي اللّه عنه تعلق المشینة بوجود الکون الجامع أردفه بذکر وجود شرائط وجوده بل موجباته بجملة حالية.
فقال : (وقد كان الحق سبحانه أوجد العالم کله)، أی أفاض علی أعيانه الثابتة وجوداً يماثل (وجود شبح مسوّى) معدل (لا روح فيه)، فإن كلاً من الموجودين  يستتبع وجود أمر آخر فوجوب العالم يستتبع الکون العالم .
ووجود الشبح المسوي يستتبع وجود الروح و نفخه فيه (فکان) ، أي العالم  بلا وجود الکون الجامع الذي هو بمنزلة الروح له (کمرآة غیر مجلوة)،  لأن الروح للشبح المسوى بمنزلة الجلاء للمرأة إذ بهماً كمالهما.  ثم أنه رضي الله عنه بين حال الممثل به ليعلم حال الممثل له .
.

واتساب

مدونة لعلوم التصوف وكبار العارفين بالله والأولياء وعرض لعلوم الإحسان

ليست هناك تعليقات: