السبت، 21 أكتوبر 2017
IbnArabi
كتاب فصوص الحكم 16- فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية
16 - فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية
«إِنَّهُ» يعني الكتاب «مِنْ سُلَيْمانَ، وَإِنَّهُ» أي مضمون الكتاب
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ». فأخذ بعض الناس في تقديم اسم سليمان على
اسم اللَّه تعالى و لم يكن كذلك. و تكلموا في ذلك بما لا ينبغي مما لا يليق بمعرفة
سليمان عليه السلام بربه. و كيف يليق ما قالوه و بلقيس تقول فيه
«أُلْقِيَ
إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ» أي يكْرم عليها. و إنما حملهم على ذلك ربما تمزيق كسرى
كتاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، و ما مزقه حتى قرأه كله و عرف مضمونه.
فكذلك كانت تفعل بلقيس لو لم توفق لما وقفت له. فلم يكن يحمي الكتابَ عن الإحراق
لحرمة صاحبه تقديم اسمه عليه السلام على اسم اللَّه عز و جل و لا تأخيره.
فأتى سليمان بالرحمتين: رحمة الامتنان و رحمة الوجوب اللتان هما الرحمن الرحيم.
فامتن بالرحمن و أوجب بالرحيم. و هذا الوجوب من الامتنان. فدخل الرحيم في
الرحمن دخول تضمن. فإنه كتب على نفسه الرحمة سبحانه ليكون ذلك للعبد بما ذكره
الحق من الأعمال التي يأتي بها هذا العبد، حقاً على اللَّه تعالى أوجبه له على
نفسه يستحق بها هذه الرحمة- أعني رحمة الوجوب. و من كان من العبيد بهذه المثابة
فإنه يعلم مَنْ هو العامل منه. و العمل مقسَّم على ثمانية أعضاء من الإنسان.
و قد أخبر الحق أنه تعالى هُوِيّة كل عضو منها، فلم يكن العامل غير الحق، و
الصورة
للعبد، و الهوية مدرجة فيه أي في اسمه لا غير لأنه تعالى عين ما ظهر. و سمي
خلقاً و به كان الاسم الظاهر و الآخِر للعبد، و بكونه لم يكن ثم كان. و بتوقف
ظهوره عليه و صدور العمل منه كان الاسم الباطن و الأول. فإذا رأيت الخلق رأيت
الأول و الآخر و الظاهر و الباطن. و هذه معرفة لا يغيب عنها سليمان، بل هي من
المُلْك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، يعني الظهور به في عالم الشهادة.
فقد أُوتي محمد صلى اللَّه عليه و سلم ما أوتيه سليمان، و ما ظهر به: فمكَّنه
اللَّه تعالى تمكين قهر من العفريت الذي جاءه بالليل ليفتك «1» به فهمَّ بأخذه و
ربطه بسارية من سواري المسجد حتى يصبح فتلعب به ولدان المدينة، فذكر دعوة سليمان
عليه السلام فرده اللَّه «2» خاسئاً. فلم يظهر عليه السلام بما أُقْدِرَ عليه و
ظهر بذلك سليمان «3». ثم قوله «مُلْكاً» فلم يعم، فعلمنا أنه يريد ملكاً ما. و
رأيناه قد شورك في كل جزء من الملك الذي أعطاه اللَّه، فعلمنا أنه ما اختص إلا
بالمجموع من ذلك، و بحديث «4» العفريت، أنه ما اختص إلا بالظهور. و قد يختص
بالمجموع و الظهور. و لو لم يقل صلى اللَّه عليه و سلم في حديث العفريت «فأمكنني
اللَّه منه» لقلنا إنه لما همَّ بأخذه ذكره «5» اللَّه دعوة سليمان ليعلم أنه لا
يُقْدِره اللَّه على أخذه. فرده اللَّه خاسئاً. فلما قال فأمكنني اللَّه منه علمنا
أن اللَّه تعالى قد وهبه التصرف فيه. ثم إن اللَّه ذكره فتذكر دعوة سليمان فتأدب
معه، فعلمنا من هذا أن الذي لا ينبغي لأحد من الخلق بعد سليمان الظهورُ بذلك في
العموم. و ليس غرضنا من هذه المسألة إلا الكلام و التنبيه على الرحمتين اللتين
ذكرهما سليمان في الاسمين اللذين تفسيرهما بلسان العرب الرحمن الرحيم. فقيد
رحمة الوجوب و أطلق رحمة الامتنان في قوله تعالى «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ
كُلَّ شَيْءٍ» حتى الأسماء الإلهية، أعني حقائق النسب. فامتن عليها «6» بنا. فنحن
نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء الإلهية و النسب «1» الربانية. ثم أوجبها على نفسه
بظهورنا لنا و أعلمنا أنه «2» هويتنا لنعلم أنه ما أوجبها على نفسه إلا لنفسه.
فما خرجت «3» الرحمة عنه. فعلى من امتن و ما ثَمَّ إلا هو؟ إلا أنه لا بد من حكم
لسان التفصيل «7» لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم، حتى يقال إن هذا أعلم من هذا
مع أحدية العين.
و معناه معنى نقص تعلق الإرادة عن تعلق العلم، فهذه مفاضلة في الصفات الإلهية،
كمال تعلق الإرادة و فضلها و زيادتها على تعلق «4» القدرة. و كذلك السمع «5» و
البصر الإلهي. و جميع الأسماء الإلهية على درجات في تفاضل بعضها على بعض. كذلك
تَفَاضُلُ ما ظهر في الخلق من أن يقال هذا أعلم من هذا مع أحدية العين. و كما أن
كل اسم إلهي إذا قدمته سميته بجميع الأسماء و نعتَّه بها، كذلك فيما يظهر من الخلق
فيه أهلية كل ما فوضل به. فكل جزء من العالم مجموع العالم، أي هو قابل للحقائق
متفرقات «6» العالم كله «7»، فلا يقدح قولنا إن زيداً دون عمرو في العلم أن تكون
هوية الحق عين زيد و عمرو، و تكون في عمرو «8» أكمل و أعلم منه في زيد، كما تفاضلت
الأسماء الإلهية و ليست غير «9» الحق. فهو تعالى من حيث هو عالم أعم في التعلق من
حيث ما هو مريد و قادر، و هو هو ليس غيره. فلا تعلمه هنا يا ولي و تجهله هنا، و
تثبته هنا و تنفيه هنا إلا إن أثبتَّه بالوجه الذي أثبت نفسه، و نفيتَه عن كذا
بالوجه الذي نفى نفسه كالآية الجامعة للنفي و الإثبات في حقه حين
قال «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» فنفى، «8» «وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»
فأثبت بصفة تعم كل سامع بصير من حيوان «8» و ما ثَمَّ إلا حيوان إلا أنه بطن في
الدنيا عن إدراك بعض الناس، و ظهر في الآخرة لكل الناس، فإنها الدار «1» الحيوان
«9»، و كذلك الدنيا إلا أن حياتها مستورة عن بعض العباد ليظهر الاختصاص و المفاضلة
بين عباد اللَّه «2» بما يدركونه من حقائق العالم. فمن عم إدراكه كان الحق فيه
أظهر في الحكم ممن ليس له ذلك العموم «10». فلا تُحْجَب بالتفاضل و تقول لا يصح
كلام من يقول إن الخلق «3» هوية الحق بعد ما أريتك التفاضل في الأسماء الإلهية
التي لا تشك أنت أنها هي الحق و مدلولُهَا المسمى بها و ليس إلا اللَّه تعالى. ثم
إنه كيف يقدِّم سليمانُ اسمه على اسم اللَّه كما زعموا و هو من جملة من «4»
أوجدته الرحمة: فلا بد أن يتقدم الرحمنُ الرحيم ليصح استناد المرحوم. هذا «5» عكس
الحقائق: تقديم من يستحق التأخير و تأخير من يستحق التقديم في الموضع الذي يستحقه.
و من حكمة بلقيس و علو علمها كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب، و ما عملت «6»
ذلك إلا لتعلِّم أصحابها أن لها اتصالًا إلى أمور لا يعلمون طريقها، و هذا من
التدبير الإلهي في الملك، لأنه إذا جُهِلَ طريق الإخبار الواصل للمَلِك خاف أهل
الدولة على أنفسهم في تصرفاتهم، فلا يتصرفون إلا في أمر إذا وصل إلى سلطانهم عنهم
يأمنون غائلة ذلك التصرف.
فلو تعين لهم على يدي مَنْ تصل الأخبار إلى ملكهم لصانعوه «7» و أعظموا له
الرِّشا حتى يفعلوا ما يريدون و لا يصل ذلك إلى ملكهم. فكان قولها «أُلْقِيَ
إِلَيَّ» و لم تسم من ألقاه سياسة «8» منها أورثت الحذر منها في أهل مملكتها و
خواص
مدبّريها «1»، و بهذا استحقت التقدم «2» عليهم. و أما «3» فضل العالِم من
الصنف الإنساني على العالِم من الجن بأسرار التصريف و خواص الأشياء، فمعلوم بالقدر
الزماني «11»: فإن رجوع الطرف إلى الناظر به «4» أسرعُ من قيام القائم من مجلسه،
لأن حركة البصر في الإدراك إلى ما يدركه أسرع من حركة الجسم فيما يتحرك منه، فإن
الزمان الذي يتحرك فيه البصر عين الزمان الذي يتعلق بمبْصَره مع بعد المسافة بين
الناظر و المنظور «5»: فإن زمان فتح البصر زمان تعلقه بفلك الكواكب الثابتة، و زمان
رجوع طرفه إليه هو «6» عين زمان عدم إدراكه. و القيام من مقام الإنسان ليس كذلك:
أي ليس له هذه السرعة.
فكان آصف ابن برخيا أتم في العمل من الجن، فكان «7» عين قول آصف بن برخيا عين
الفعل في الزمن الواحد. فرأى «8» في ذلك الزمان بعينه سليمانُ عليه السلام عرشَ
بلقيس مستقراً عنده لئلا يتخيل أنه أدركه و هو في مكانه من غير انتقال، و لم يكن
عندنا باتحاد «9» الزمان انتقال، و إنما كان إعدام و إيجاد من حيث لا يشعر أحد
بذلك إلا من عرَّفه و هو قوله تعالى «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
«12».
و لا يمضي عليهم وقت لا يرون فيه ما هم راءون له. و إذا كان هذا كما ذكرناه،
فكان «10» زمان عدمه (أعني عدم العرش) من مكانه عين وجوده عند سليمان، من تجديد
الخلق مع الأنفاس. و لا علم لأحد بهذا القدر، بل الإنسان لا يشعر به من نفسه أنه
في كل نَفَس لا يكون ثم يكون «13».
و لا تقل «ثُم» تقتضي المهلة، فليس ذلك بصحيح «11»، و إنما «ثم» تقتضي
تقدم الرتبة العِليَّة عند العرب في مواضع مخصوصة كقول الشاعر:
كهز الرديني ثم اضطَرَبْ
|
و زمان الهز عين زمان اضطراب المهزوز بلا شك. و قد جاء بثم و لا مهلة.
كذلك تجديد الخلق مع الأنفاس: زمان العدم زمان وجود المثل كتجديد الأعراض في
دليل الأشاعرة. فإن مسألة حصول عرش بلقيس من أشكال المسائل إلا عند من عرف ما
ذكرناه آنفاً في قصته. فلم يكن لآصف من الفضل في ذلك إلا حصول التجديد في مجلس
سليمان عليه السلام. فما قطع العرشُ مسافة، و لا زويت له أرض و لا خرقها لمن فهم
ما ذكرناه. و كان ذلك على يدي بعض أصحاب «1» سليمان ليكون أعظم لسليمان عليه
السلام في نفوس الحاضرين من بلقيس و أصحابها.
و سبب ذلك كون سليمان هبة اللَّه تعالى لداود من قوله تعالى «وَ وَهَبْنا
لِداوُدَ سُلَيْمانَ». و الهبة عطاء الواهب بطريق الإنعام لا بطريق الوفاق أو الاستحقاق.
فهو النعمة السابغة و الحجة البالغة و الضربة الدامغة. و أما علمه فقوله تعالى
«فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» مع نقيض الحكم «14»، و كلا آتاه اللَّه حكماً و علماً.
فكان علم داود علماً مؤتى آتاه اللَّه، و علم سليمان علم اللَّه في المسألة إذ
«2» كان الحاكم بلا واسطة. فكان سليمان ترجمان حق في مقعد صدق. كما أن المجتهد
المصيب لحكم اللَّه الذي يحكم به اللَّه في المسألة لو تولاها بنفسه أو بما يوحِي
به لرسوله له أجران، و المخطئ لهذا الحكم المعين له أجر مع كونه علماً و حكماً.
فأعطيت هذه الأمة المحمدية رتبة سليمان عليه السلام في الحكم، و رتبة داود
عليه السلام. فما أفضلها من أمة. و لما رأت بلقيس عرشها
مع علمها ببعد المسافة و استحالة انتقاله في تلك المدة عندها، «قالَتْ
كَأَنَّهُ هُوَ»، و صدقت بما ذكرناه من تجديد الخلق بالأمْثال «1»، و هو هو، و
صدق الأمر، كما أنك في زمان التجديد عين ما أنت في الزمن الماضي. ثم إنه من كمال
علم «2» سليمان التنبيه الذي ذكره في الصرح. فقيل لها «ادْخُلِي
الصَّرْحَ» و كان صرحاً أملس لا أمت «3» فيه من زجاج. فلما رأته حسبته لجة أي
ماء «4»، «وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها». حتى لا يصيب الماء ثوبها. فنبهها بذلك على أن
عرشها الذي رأته من هذا القبيل. و هذا غاية الانصاف. فإنه أعلمها بذلك إصابتها في
قولها «كَأَنَّهُ هُوَ». فقالت عند ذلك «رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ
أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ»:
أي إسلام سليمان: «لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ». فما انقادت لسليمان
و إنما انقادت للَّه رب العالمين، و سليمان من العالمين. فما تقيدت في انقيادها
كما لا تتقيد الرسل في اعتقادها في اللَّه، بخلاف فرعون فإنه قال «رَبِّ
مُوسى وَ هارُونَ»* و إن كان يلحق بهذا الانقياد البلقيسي من وجه، و لكن لا
يقوى قوته فكانت أفْقَهَ من فرعون في الانقياد للَّه و كان فرعون تحت حكم
الوقت حيث قال «آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل». فخصص، و إنما خصص لما رأى السحرة
قالوا في إيمانهم باللَّه «رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ»*. فكان إسلام بلقيس إسلام
سليمان إذ قالت «مَعَ سُلَيْمانَ» فتَبِعَتْه. فما يمر بشيء من العقائد إلا مرت
به معتقدة ذلك. كما نحن على الصراط المستقيم الذي الرب عليه لكون نواصينا في يده
«5».
و يستحيل مفارقتنا إياه. فنحن معه بالتضمين، و هو معنا بالتصريح «15»، فإنه
قال «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ». و نحن معه بكونه
آخذاً «6» بنواصينا.
فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى «1» بنا من صراطه. فما أحد من العالم الا على
صراط مستقيم، و هو صراط الرب تعالى. و كذا عَلِمَتْ بلقيس من سليمان فقالت
«لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» و ما خصصت عالماً من عالم. و أما التسخير الذي اختص
به سليمان و فَضَل به غيره «16» و جعله «2» اللَّه له من الملك الذي لا ينبغي
لأحد من بعده فهو كونه عن أمره. فقال «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي
بِأَمْرِهِ». فما هو من كونه تسخيراً، فإن اللَّه يقول في حقنا كلنا من غير تخصيص
«وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ». و
قد ذكر تسخير الرياح و النجوم و غير ذلك و لكن لا عن أمرنا بل عن «3» أمر اللَّه.
فما اختص سليمان- إن عقلت- إلا بالأمر من غير جمعية و لا همة، بل بمجرد الأمر. و
إنما قلنا ذلك لأنا نعرف أن أجرام العالم تنفعل لهمم «4» النفوس إذا أُقيمت في
مقام الجمعية. و قد عاينا ذلك في هذا الطريق. فكان من سليمان مجرد التلفظ بالأمر
لمن أراد تسخيره من غير همة و لا جمعية. و اعلم أيدنا اللَّه و إياك بروح منه، أن
مثل هذا العطاء إذا حصل للعبد أي عبد كان فإنه لا ينقصه «5» ذلك من ملك آخرته، و
لا يحسب عليه، مع كون سليمان عليه السلام طلبه من ربه تعالى. فيقتضي ذوق الطريق أن
يكون قد عُجِّل له ما ادُّخر «6» لغيره و يحاسبُ به إذا أراده في الآخرة. فقال
اللَّه له «هذا عَطاؤُنا» و لم يقل لك و لا لغيرك، «فَامْنُنْ» أي أعط «أَوْ
أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ». فعلمنا من ذوق الطريق أن سؤاله ذلك كان عن أمر ربه. و
الطلب إذا وقع عن الأمر الإلهي كان الطالب «7» له الأجر التام على طلبه. و الباري
تعالى إن شاء قضى حاجته فيما طلب «8» منه و إن شاء
أمسك، فإن العبد قد وفّى ما أوجب اللَّه عليه من امتثال أمره فيما سأل ربه
فيه، فلو سأل ذلك من نفسه عن غير أمر ربه له بذلك لحاسبه به. و هذا سار في جميع ما
يسأل فيه اللَّه تعالى، كما «1» قال لنبيه محمد صلى اللَّه عليه و سلم «قُلْ
رَبِّ زِدْنِي عِلْماً». فامتثل أمر ربه فكان يطلب الزيادة من العلم حتى كان إذا
سيق له لبن «2» يتأوله «3» علماً كما تأول رؤياه لما رأى في النوم أنه أوتي بقدح
لبن فشربه و أعطى فضله عمر بن الخطاب. قالوا فما أوَّلتَه قال العلم. و كذلك لما
أُسْرِيَ «4» به أتاه الملك بإناء فيه لبن و إناء فيه خمر فشرب اللبن فقال له
المَلَك أصبت الفطرة أصاب اللَّه بك أمتك. فاللبن متى ظهر فهو صورة العلم، فهو
العلم تمثل في صورة اللبن كجبريل تمثل «5» في صورة بشر سويٍ لمريم. و لما قال
عليه السلام «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا «6»» نبَّه على أنه كل ما يراه
الإنسان في حياته الدنيا إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم: خيال «17» فلا بد من
تأويله.
إنما الكون خيال
|
و هو حق في الحقيقة
|
|
و الذي يفهم هذا
|
حاز أسرار الطريقة
|
|
فكان صلى اللَّه عليه و سلم إذا قدَّم له لبن قال «اللهم بارك لنا فيه و زدنا
«7» منه» لأنه كان يراه صورة العلم، و قد أُمِرَ بطلب الزيادة من العلم، و إذا قدم
له غير اللبن قال اللهم بارك لنا فيه و أطعمنا «8» خيراً منه. فمن أعطاه اللَّه ما
أعطاه بسؤال عن أمر إلهي فإن اللَّه لا يحاسبه به في الدار الآخرة، و من أعطاه
اللَّه ما أعطاه بسؤال عن غير أمر إلهي فالأمر فيه إلى اللَّه، إن شاء حاسبه و إن
شاء
لم يحاسبه. و أرجو من اللَّه في العلم خاصة أنه لا يحاسبه به. فإنَّ أمره
لنبيه عليه السلام يطلب الزيادة من العلم عين أمره لأمته: فإن اللَّه يقول
«لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ». و أي أسوة أعظم من
هذا التأسِّي لمن عقل عن اللَّه تعالى. و لو نبَّهنا على «1» المقام السليماني
على تمامه لرأيت أمراً يهولك الاطلاع عليه فإن أكثر علماء هذه الطريقة جهلوا حالة
«2» سليمان و مكانته و ليس الأمر كما زعموا.
الموضوع التـــــــالي .... الموضوع الســـابق
التسميات:
Fusus-AlHikam
،
IbnArabi
مواضيع ذات صله :
IbnArabi
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
اشترك في قناتنا علي اليوتيوب
المشاركات الشائعة
-
كتاب عقلة المستوفز الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
-
مقدمة كتاب إبداع الكتابة وكتابة الإبداع في شرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية د. سعاد الحكيم
-
كتاب إنشاء الدوائر الشيخ الأكبر محيي الدين محمد ابن العربي الطائي الحاتمي
-
كتاب تاج الرّسائل ومنهاج الوسائل . الشيخ الأكبر ابن العربي الطائي الحاتمي الأندلسي
-
المقالة الخامسة والثلاثون سؤال طائر آخر الأبيات من 2966 - 3023 .كتاب منطق الطير للعارف بالله فريد الدين العطار النيسابوري
-
ثانيا شرح الأبيات 17 - 29 من القصيدة العينية .إبداع الكتابة وكتابة الإبداع لشرح قصيدة النادرات العينية فى البادرات الغيبية
-
الفصل الثالث في بيان رموز هذه الشجرة وما في ضمن الدائرة المذكورة من التنبيه على الحوادث الكونية . كتاب الشجرة النعمانية للشيخ الأكبر ابن الع...
-
مقتطفات من الباب 559 من الفتوحات المكية .كتاب شرح مشكلات الفتوحات المكية وفتح الأبواب المغلقات من العلوم اللدنية
-
28 - فهرس الموضوعات المثنوي المعنوي جلال الدين الرومي الجزء السادس ترجمة وشرح د. إبراهيم الدسوقي شتافهرس الموضوعات المثنوي المعنوي جلال الدين الرومي الجزء السادس ترجمة وشرح د. إبراهيم الدسوقي شتا
-
من هو محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري؟ محمد بن عبد الجبار بن الحسن بن أحمد النفَّري من اعلام التصوف مولده : ...
أرشيف المدونة الإلكترونية
-
▼
2017
(72)
-
▼
أكتوبر
(72)
- فصل تعلقت الأحرف "بالألف" ولا تعلق للألف بشيء من ا...
- فصل الالف لما كانت الألفة مشتقه منه ألف بين الحروف...
- فصل الباء هي النفس وهي حرف ظلماني كتاب الكهف والرق...
- فصل تقول النقطة للباء أيها الحرف إني أصلك لتركيبك ...
- فصل نقطة حرف الباء واحدة في عالم غيبها كتاب الكهف ...
- مقدمة كتاب الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن ال...
- كتاب فصوص الحكم 27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية
- كتاب فصوص الحكم 26- فص حكمة صمدية في كلمة خالدية
- كتاب فصوص الحكم 25- فص حكمة علوية في كلمة موسوية
- كتاب فصوص الحكم 24- فص حكمة إمامية في كلمة هارونية
- كتاب فصوص الحكم 23 - فص حكمة إحسانية في كلمة لقم...
- كتاب فصوص الحكم 22- فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية
- كتاب فصوص الحكم 21- فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية
- كتاب فصوص الحكم 20 - فص حكمة جلالية في كلمة يحيوية
- كتاب فصوص الحكم 19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية
- كتاب فصوص الحكم 18 - فص حكمة نَفْسيَّة في كلمة يون...
- كتاب فصوص الحكم 17- فص حكمة وجودية في كلمة داودية
- كتاب فصوص الحكم 16 - فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية
- كتاب فصوص الحكم 15- فص حكمة نَبَوِيَّة في كلمة عي...
- كتاب فصوص الحكم 14 - فص حكمة قَدَرِيَّة في كلمة عُ...
- كتاب فصوص الحكم 13 - فص حكمة مَلْكية في كلمة لوطية
- كتاب فصوص الحكم 12- فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية
- كتاب فصوص الحكم 11- فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية
- كتاب فصوص الحكم 10- فص حكمة أحدية في كلمة هودية
- كتاب فصوص الحكم 9 - فص حكمة نورية في كلمة يوسفية
- كتاب فصوص الحكم 8 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية
- كتاب فصوص الحكم 7 - فص حكمة علية في كلمة إسماعيلية
- كتاب فصوص الحكم 6- فص حكمة حقية في كلمة إِسحاقية
- كتاب فصوص الحكم 5- فص حكمة مُهَيَّمية في كلمة إِبر...
- كتاب فصوص الحكم 4- فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية
- كتاب فصوص الحكم 3- فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية
- الفتح الرباني والفيض الرحماني "12" المجلس الثاني عشر
- الفتح الرباني والفيض الرحماني "11" المجلس الحادي عشر
- الفتح الرباني والفيض الرحماني "10" المجلس العاشر
- الفتح الرباني والفيض الرحماني "9" المجلس التاسع
- الفتح الرباني والفيض الرحماني "8" المجلس الثامن
- الفتح الرباني والفيض الرحماني "7" المجلس السابع
- العشق ماء الحياة "8" مختارات من ديوان شمس تبريز ال...
- الشكر للعدم"7"مختارات من ديوان شمس تبريز الجزء الا...
- المناجاة العطائية "5" إلهي وصفت نفسك باللطف والرأف...
- المناجاة العطائية "4" إلهي مني ما يليق بلؤمي ومنك...
- يوم موتي "6" مختارات من ديوان شمس تبريز الجزء الاو...
- ولدت من عشقها "5" مختارات من ديوان شمس تبريز الجز...
- مختارات من ديوان شمس تبريز ايتها الحسناء ..لقد جن...
- ذلك الذي يغمر حرمي السري الذي ابتنيته "1" مختارات ...
- ادراك ذلك الولي للمرض وعرضه الامر علي الملك "4"الج...
- لقاء الملك مع ذلك الولي الذي أبدي له في النوم "3" ...
- عشق الملك لجارية مريضة وتدبيره من اجل شفائها الجزء...
- العاشق والناي المثنوي الجزء الاول مولانا جلال الدي...
- الفتح الرباني والفيض الرحماني "6" المجلس السادس
- الفتح الرباني والفيض الرحماني"5" المجلس الخامس
- الفتح الرباني والفيض الرحماني"4" المجلس الرابع
- الفتح الرباني والفيض الرحماني"3" المجلس الثالث فق...
- الفتح الرباني والفيض الرحماني "2" المجلس الثاني
- الفتح الرباني والفيض الرحماني "1" المجلس الأول
- مختارات من ديوان شمس تبريز "3" مدينة السعداء
- مختارات من ديوان شمس تبريز "2" ماذا يقول الرباب
- مختارات من ديوان شمس تبريز "1" مثل موسى
- المناجاة العطائية الثالثة إلهي أن اختلاف تدبيرك وس...
- المناجاة العطائية الثانية إلهي أنا الجاهل في علمي...
- المناجاة العطائية المناجاة الأولى إلهي أنا الفقير ...
- كتاب فصوص الحكم المقدمة لابن عربي الحاتمي الطائي
- الامام محيي الدين ابن عربي الشيخ الاكبر لاعلام التصوف
- كتاب ايقاظ الهمم 2 - إرادتك التجريد مع إقامة الله ...
- كتاب ايقاظ الهمم 1- من علامة الاعتماد على العمل ن...
- كتاب فصوص الحكم 2 - فص حكمة نفثية في كلمة شيثيَّة
- كتاب فصوص الحكم 1 - فص حكمة إلهية في كلمة آدميَّة
- الإمام الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني
- سلطان العاشقين عمر بن عليّ الملقب ابن الفارض
- مولانا جلال الدين الرومي
- محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
- الحسين بن منصور الحلاج
-
▼
أكتوبر
(72)
تابعونا علي فيس بوك
https://www.facebook.com/groups/146820946026951/?ref=bookmarks
تغريداتي علي التويتر
التسميات
Abdelkader-Jilani
al-Junayd-al-Baghdadi
al-Kahf-Wa-al-Raqim
AlFateh-AlRabbani
AlMasnavi-Vol1
AlNafri
alnnadirat-aleiniat-eabd-alkarim-aljili
alsafar_alkhatum_fusus_alhikam
alshajara-alnumaniyya
altanazulat-almawsilia
Divan-Shams-Tabrizi
divine-manifestations
divine-providence
eabd-alkarim-aljili
farid-aldiyn-aleitar
Fusus-AlHikam
Hallaj
hikam
Ibn-AlFarid
Ibn-Ata-Allah
IbnArabi
mantiq-altayr
mathnawi-ma'nawi-Part1-iibrahim-aldasuqi
mathnawi-ma'nawi-Part1-muhamad-kaffafi
mathnawi-ma'nawi-Part2-iibrahim-aldasuqi
mathnawi-ma'nawi-Part2-muhamad-kaffafi
mathnawi-ma'nawi-Part3-iibrahim-aldasuqi
mathnawi-ma'nawi-Part4-iibrahim-aldasuqi
mathnawi-ma'nawi-Part5-iibrahim-aldasuqi
mathnawi-ma'nawi-Part6-iibrahim-aldasuqi
Mongah_IbnAtaAllah
Rumi
sharah-alkahf-walraqim-fie-sharah-bismi-allah-aljili
sharah-mushkilat-alftwhat-almakia
taj-altarajum
the-eighth-book-of-fusus-alhikam
the-fifth-book-of-fusus-alhikam
the-first-book-of-fusus-alhikam
the-fourth-book-of-fusus-alhikam
the-ninth-book-of-fusus-alhikam
the-second-book-of-fusus-alhikam
the-seventh-book-of-fusus-alhikam
the-sixth-book-of-fusus-alhikam
the-tenth-book-of-fusus-alhikam
the-third-book-of-fusus-alhikam
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق